في قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} سورة الأنبياء: من الآية رقم (81) .
جاء في الحاوي في التفسير، قال الماوردي: [1] :"العصف التبن، فسمى به شدة الريح لأنها تعصفه لشدة تكسيرها له" [2] .
يفاد من قول الإمام الماوردي أنّ سبب تسمية شدة الريح بالعصف وهو التبن؛ لأنها تعصفه لشدة تكسيرها له، وهذا ما نص عليه كثير من العلماء [3] ، إذ يقول القرطبي:"العصف التبن فسمي به شدة الريح لأنها تعصفه بشدة تطيرها" [4] .
وجاء في لسان العرب"العصف الذي هو التبن مشتق منه لأن الريح تعصف به" [5] .
ويقول الإمام محمد سيد طنطاوي:"سخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أي: شديدة الهبوب، كما سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير. يقال: عصفت الريح تعصف إذا اشتدت، فهي عاصف وعاصفة وعصوف، سميت بذلك لتحطيمها ما تمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن" [6] .
ومن خلال ما سبق يتبين أنَّ لفظ (العصف) هو وَرَقُ الزَّرْعِ اليابس، ويُقالُ: هُو التِّبْنُ، وسمى به شدة الريح لأنها تعصفه من شدة تحريكها له، وقد دلَّ تأصيل ابن فارس لهذه المادة على صحة هذا الملحظ؛ إذ يقول:"العَيْنُ وَالصَّادُ وَالْفَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى خِفَّةٍ وَسُرْعَةٍ. فَالْأَوَّلُ مِنْ ذَلِكَ الْعَصْفُ: مَا عَلَى الْحَبِّ مِنْ قُشُورِ التِّبْنِ. وَالْعَصْفُ: مَا عَلَى سَاقِ الزَّرْعِ مِنَ الْوَرَقِ الَّذِي يَبِسَ فَتَفَتَّتَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْعَصْفِ. قَالَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [سورة الفيل: الآية رقم: 5] ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْعَصْفُ: كُلُّ زَرْعٍ أُكِلَ حَبُّهُ وَبَقِيَ تِبْنُهُ وَالرِّيحُ الْعَاصِفُ: الشَّدِيدَةُ" [7] .
رابعًا: تسمية الشيء باسم صفة صارت اسمًا له
في قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} سورة الأنبياء: من الآية رقم (85) .
جاء في الحاوي في التفسير، قال الإمام الشعراوي: [8] :"الكِفْل هو الحظ والنصيب، فلماذا سُمِّي «ذو الكفل» ؟ ذو الكفل ابن أيوب عليه السلام، ويظهر أن أولاد أيوب كانوا كثيرين، إنما اختص الله ذا الكفل بالرسالة، وكان هذا حظه دون غيره من أبناء أيوب؛ لذلك سُمِّي «ذو الكفل» " [9] .
يفاد من قول الإمام الشعراوي: أنَّ لفظ الكِفل بالكسر هو الحظ والنصيب وسمى ذو الكفل بهذا الاسم لكونه أخذ حظه دون غيره من أبناء سيدنا أيوب - عليهما السلام -، وذهب إلى أن الكفل مأخوذًا من النصيب كثير من العلماء [10] ؛ من ذلك ما ذكره الأزهري من أقوال
(1) النكت والعيون (3/ 460) .
(2) الحاوي في التفسير (مـ 27) (513/ 11) .
(3) ينظر: تفسير القرطبي (11/ 321) ، ولسان العرب (9/ 248) (عصف) ، والقاموس المحيط: (838) ، وتاج العروس: (24/ 163) (عصف) ، والتحرير والتنوير (27/ 242) .
(4) تفسير القرطبي (11/ 321) .
(5) لسان العرب (9/ 248) (عصف) .
(6) التفسير الوسيط (9/ 238) .
(7) مقاييس اللغة (4/ 328) (عصف) .
(8) تفسير الشعراوي (15/ 9619) .
(9) الحاوي في التفسير (مـ 27) (513/ 11) .
(10) ينظر: معاني القرآن للفراء: (1/ 280) ، وجامع البيان للطبري: (10/ 218) ، ومعاني القرآن للزجاج: (2/ 85) ، وتهذيب اللغة: (10/ 140) (كفل) ، والصحاح: (5/ 1810) (كفل) ، والهداية إلى بلوغ النهاية: (10/ 6270) ، والوسيط للواحدي: (2/ 89) ، والمحرر الوجيز: (5/ 271) ، وشمس العلوم: (9/ 5859) ، والنهاية في غريب الحديث والأثر: (4/ 192) ، وتفسيرالقرطبي: (17/ 266) ، ولسان العرب: (11/ 588) (كفل) ، تاج العروس: (30/ 332) (كفل) .