وفي الحقيقة أنّ أبا على الفارسى لم ينكر الترادف، لأنّ هذه الحكاية كانت من باب التفاخر والتباهى بمعرفة دقائق العربية وأسرارها، والتمكن منها، ولم يكن تعبيرًا عن وجهة نظره في ظاهرة الترادف، لأنّه استحسن الترادف وأيده بأدلة منطقية وواقعية من اللغة والذي يدلنا على ذلك قوله:"واختلاف اللفظين والمعنى واحد حسن بعد الحاجة إلى التوسع بالألفاظ، وبَيِّن أن هذا القسم لو لم يوجد لم يوجد من الاتساع ما وجد بوجوده. ألا ترى أنه إذا سجع في خطبة أو قفي في شعر فَرَكب السين فقال: جلس، فجاء به مع ما يشاكله ولو لم يقل في هذا المعنى إلا قعد ضاق المذهب فيه، ومن هنا جاءت الزيادات لغير المعاني في كلامهم وأيضًا فإذا أراد التأكيد قال: قعد وجلس فتكون المخالفة بين الألفاظ أسهل من إعادتها أنفسها وتكريرها" [1] .
وحجتهم في ذلك أنّ الترادف على خلاف الأصل [2] وأنّ"كل اسمين يجريان على معنى من المعاني، وعين من الأعيان في لغة واحدة فإن كل واحد منهما يقتضى خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا كان الثاني فضلًا لا يحتاج إليه" [3] .
وينكر - أيضًا - بعض المحدثين الترادف، ويعدونه"قتل لخصائص الأدب ومزايا الفن الذي يقوم على إبراز المقومات الخاصة، والدقائق الخفية" [4] .
أولًا: من القدماء
ذهب فريق من العلماء [5] إلى القول بوقوع الترادف، والاحتجاج له، وكثرة أمثلته في اللغة وأنّ الألفاظ المترادفة تؤدى معنى واحدًا دون النظر إلى الفروق بينها كما فعل المنكرون للترادف.
(1) المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات مطبعة العانى ببغداد 1983 م (534،533) .
(2) ينظر: المزهر للسيوطي (1/ 319) .
(3) الفروق اللغوية لأبى هلال العسكري (16) .
(4) فقه اللغة وخصائص العربية د: محمد المبارك طبعة دار الفكر - بيروت (321) .
(5) منهم: سيبويه ينظر: الكتاب (1/ 24) ، وقطرب ينظر: الأضداد (69) ، وابن خالوية ينظر: الصاحبى (117،116) والفيروزآبادي في كتابه (الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف) ينظر: المزهر (1/ 407) وغيرهم.