فهرس الكتاب

الصفحة 737 من 855

لَنا القَدَمُ الأولى إِلَيكَ وَخَلفُنا ... لِأَوَّلِنا في طاعَةِ اللَهِ تابِعُ [1]

وأما في تسكين اللام في الذم فقول لبيد:

ذَهَبَ الَّذينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم ... وَبَقيتُ في خَلفٍ كَجِلدِ الأَجرَبِ [2]

فعند الإطلاق يتضح الفرق بين الكلمتين؛ لذلك فإنهم يقولون للجيد خَلَف، وللردئ: خَلْف، مما يؤكد التفريق بينهما إذا خلت القرائن التي تجيز استعمال الوجهين معًا؛ لأن السياق - هنا - هو الفيصل في فهم المراد من أحد الوجهين، أما إذا انعدمت القرائن، فيصرف المعنى المراد بحسب أصل اللغة في التفرقة بينهما.

وجعل الإمام النووي الوجهين - الفتح والتسكين - لغتين حيث يقول:"أهل اللغة: الخَلَف: ما صار عوضًا عن غيره ويستعمل فيمن خلف بخير أو بشر، لكن يقال في الخير: بفتح اللام وإسكانها لغتان الفتح أشهر وأجود. وفي الشر بإسكانها عن الجمهور، وحكى أيضًا فتحها" [3] .

والذي يميل إليه البحث مذهب الإمام النحاس ومن وافقه أن هناك فرقًا بين (الخَلَف) بفتح اللام، و (الخَلْف) بتسكين اللام، فالخَلَف - بالتحريك - يستعمل في موضع الحمد والخَلْف - بالإسكان - يستعمل في موضع الذم، وملمح التفريق بينهما هنا الاستعمال، والخَلَف أو الخَلْف هو من يأتي بعد، ومما يؤيد التفريق بينهما قول ابن فارس:"والخَلَف: ما جاء بعد. ويقولون: هو خَلَف صدق من أبيه. وخَلَف سَوْء من أبيه، فإذا لم يذكروا صدقًا ولا سوْءًا قالوا للجيد: خَلَف وللردئ: خَلْف قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} سورة الأعراف من الآية (169) ، وسورة مريم من الآية (59) " [4] .

ويؤيده - أيضًا - قول الإمام الشعراوى - رحمه الله:"هناك فَرْق بين خَلْف وخَلَف: الأولى: بسكون اللام ويُراد بها الأشرار من عَقِب الإنسان وأولاده، والأخرى: بفتح اللام ويُراد بها الأخيار. لذل، فالشاعر حينما أراد أنْ يتحسَّر على أهل الخير الذي مَضَوْا قال:"

ذَهَبَ الذِينَ يُعاشُ فِي أكنَافِهمْ ... وبَقِيتُ في خَلْف كجِلْدِ الأجْرَبِ

فماذا تنتظر من هؤلاء الأشرار؟ لا بُدّ أنْ يأتي بعدهم صفات سوء {أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات} [مريم: 59] إذن: هم خَلْف فاسد، فأول ما أضاعوا أضاعوا الصلاة التي هي عماد الدين، وأَوْلَى أركانه بالأداء" [5] ."

* يَحِل - يَحُل

في قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} سورة طه: الآية رقم (81) .

جاء في تفسير الحاوي، قال الماوردي [6] :" {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} قُرِئ [7] بضم الحاء وبكسرها ومعناه بالضم ينزل, وبالكسر يجب" [8] .

فرّق الإمام الماوردي بين قراءة (تَحِل) بكسر الحاء، و (تَحُل) بضم الحاء، وذكر أنّ معنى (تَحِل) تجب، ومعنى (تَحُل) تنزل، وما ذكره الماوردي نصَّ عليه كثير من

(1) البيت من بحر الطويل، وهو في ديوان حسان (1/ 267) .

(2) ينظر: تفسير الطبرى (9/ 104،105) .

(3) صحيح مسلم بشرح النووي 16/ 86.

(4) مقاييس اللغة (2/ 210) (خَلَف) .

(5) تفسير الشعراوى (15/ 9132) .

(6) ينظر: النكت والعيون (3/ 416) .

(7) نًُسبت قراءة ضم الحاء إلى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي، ونُسبت قراءة كسر الحاء إلى الجمهور، ينظر: السبعة (422) والمبسوط (297) والنشر (2/ 321) والإتحاف (387) .

(8) تفسير الحاوي (مـ 29) (565/ 198) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت