إنما يَجوز ذَلِكَ فِي المواقيت من الأيام والليالي والدهر أن تَقُولَ: وراءك بَرد شديد: وبين يديك بَرْد شديد لأنك أنت وراءه فجاز لأنه شيء يأتي، فكأنه إذا لحقك صارَ من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بين يديك. فلذلك جاز الوجهان" [1] ."
ومن خلال ما سبق وباستقراء أقوال العلماء يتبين للبحث أن لفظ (الوراء) من الألفاظ المشتركة التي تدل على المعنى وضده. وعموم معنى اللفظ هو الذي أدى إلى القول بالتضاد فيه. يقول ابن فارس:"الْوَاوُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ: بِنَاءٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، .. أَمَّا قَوْلُهُمْ وَرَاءَكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ خَلْفٍ، وَيَكُونُ مِنْ قُدَّامٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] أَيْ أَمَامَهُمْ" [2] . فكل ما استتر عن الإنسان من خلف ومن قدام يُقال له وراءك.
وفي ضوء ما سبق يظهر أن لفظ (وراء) كما يقول أستاذنا الدكتور: محمد محمد داود:"يتميز باتساع دلالته؛ حيث يُستعمل بمعنى البَعْدِية الزمانية، والبَعْدِية المكانية، وبمعنى الكثرة والزيادة، كما يستعمل بمعنى (أمام) . وكل هذه الدلالات تعود إلى معنى الاستتار والحجاب، وهو الأصل الدلالي للكلمة" [3] .
في قوله تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} سورة طه: من الآية رقم (15) .
جاء في تفسير الحاوي، قال العلامة ابن جني [4] :"أَخْفَيْت الشيءَ: كتمْته، وأظهرته جميعا وخَفَيْتُه بلا ألف: أظهرتُه ألبتة" [5] .
(1) معاني القرآن للفراء (2/ 157) .
(2) مقاييس اللغة (6/ 104) (ورى) .
(3) معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم (250) .
(4) المحتسب (2/ 47) .
(5) الحاوي في التفسير (مـ 26) (493/ 191) .