جاء في تفسير الحاوي، قال الإمام الشعراوي [1] :"كلمة (الوَسْوَسة) هي في الأصل صوت الحليّ أي: الذهب الذي تتحلَّى به النساء، كما نقول: نقيق الضفادع، وصهيل الخيل، وخُوار البقر، ونهيق الحمير، وثغاء الشاة، وخرير الماء، وحفيف الشجر. وكذلك الوسوسة اسم لصوت الحليّ الذي يجذب الأسماع، ويُغرِي بالتطلع إليه، وكأن الحق سبحانه يُحذِّرنا أن الشيطان سيدخل لنا من طريق الإغراء والتزيين" [2] .
يُفاد من قول الإمام الشعراوي أنّ كلمة (الوَسْوَسة) : خاصة بصوت الحلي دون باقي الأشياء التي تصدر أصواتًا، ثم زاد الأمر توضيحًا بذكر نظائرها من الأشياء التي تصدر أصواتًا، كنقيق الضفادع، وصهيل الخيل، وخُوار البقر، ونهيق الحمير، وثغاء الشاة، وخرير الماء، وحفيف الشجر. وقد نص على خصوص ذلك اللفظ بصوت الحلى كثير من العلماء [3] ، ومن ذلك قول الإمام الراغب:"الوَسْوَسَةُ: الخطرةُ الرّديئة، وأصله من الوَسْوَاسِ، وهو صوت الحلي، والهمس الخفيّ" [4] .
وقد قرر أصحاب المعاجم أن الوَسواس خاص بصوت الحلى، من ذلك قول الجوهري:"يقال لهَمْسِ الصائدِ والكلابِ وأصوات الحلى: وسواس ... وَقَالَ الأَعشى:"
تَسْمَع للحَلْي وَسْواسًا، إِذا انْصَرفت ... كَمَا اسْتَعان بِريح عِشْرِقٌ زَجل [5] " [6] ."
ومن خلال ما سبق يتضح أن لفظ (الوَسواس) من الألفاظ الخاصة التي تطلق على صوت الحلي. وأصل الوسوسة الصوت الخفي ومنه يقال لصوت الحلي وسواس، وكل صوت لا يفهم تفصيله لخفائه ثم خُصَّ به صوت الحَلْي، ثم يتأتى من هذا (الوَسْوَسَةُ: الكلام الخفيُّ المكرر) إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء وتكرير، ومنه أُطلق على حديث النفس والشيطان وسوسة؛ لخفاءه ورقته.
في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} سورة الأنبياء: من الآية رقم (78) .
جاء في تفسير الحاوي، قال الإمام ابن قتيبة [7] :"نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ: رعت ليلا. يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل، نفش ونفّش ونفّاش. والواحد نافش. وسَرَحَتْ، وسَرَبَتْ بالنَّهار" [8] .
يُفاد من خلال قول الإمام ابن قتيبة السابق أنّ كلمة (نفشت) خاصة برعي الأغنام بالليل دون باقية الأوقات، ويُقال سرحت وسربت لرعيها بالنهار. وقد نص على خصوص ذلك اللفظ برعي الأغنام بالليل كثير من اللغويين، وأصحاب المعاجم [9] ، والمفسرين [10] ، ومن ذلك قول ابن دريد:"نَفَشَتِ الغنمُ فِي الزَّرْع، إِذا رعته لَيْلًا، وَلَا يكون النّفْش إِلَّا"
(1) تفسير الشعراوي (300) .
(2) تفسير الحاوي (النسخة المطورة) (81/ 53) .
(3) ينظر: المحكم (8/ 539) والكشاف للزمخشري (4/ 823) والمفردات (869) (وسوس) وأنوار التنزيل (5/ 275) واللسان (6/ 254) (وسوس) والدر المصون (5/ 275) والقاموس (980) (وسوس) وروح المعاني (13/ 328) .
(4) المفردات (869) (وسوس) .
(5) من بحر البسيط، وهو في ديوان الأعشى، طبعة المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت لبنان (96) العشرق، كزبرج: شجر، وقيل: نبت. وقال أبو حنيفة: العشرق من الأغلاث ينفرش على وجه الأرض، عريض الورق، وليس له شوك، ولا يكاد يأكله شيء، إذا جف صوت بمر الريح، ينظر: التاج (36/ 157) (عشرق) .
(6) الصحاح (3/ 988) (وسوس) وينظر: المحكم (8/ 539) وشمس العلوم (11/ 7036) واللسان (6/ 255) ، وبصائر ذوي التمييز (5/ 208) والقاموس (980) والتاج (17/ 12) (وسوس) .
(7) غريب القرآن (300) .
(8) تفسير الحاوي (النسخة المطورة) (83/ 508) .
(9) ينظر: الجمهرة (2/ 875) (نفش) والصحاح (3/ 1022) (نفش) ، وشمس العلوم (10/ 6699) والنهاية (5/ 97) ومختار الصحاح (316) ، واللسان (6/ 357) ، والمصباح (2/ 617) (نفش) .
(10) ينظر: تأويلات أهل السنة (7/ 365) والهداية إلى بلوغ النهاية (7/ 4786) والتفسير لوسيط للواحدي (3/ 245) وزاد المسير (3/ 202) وتحفة الأريب (303) والدر المصون (8/ 186) واللباب (3/ 229) والتبيان في تفسير غريب القرآن (233) وحدائق الروح والريحان (18/ 161)