الباطل للذة يسيرة زائلة فِيهِ يَلْزَمُهُ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ فَالْإِقْبَالُ عَلَى الْبَاطِلِ لَعِبٌ وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ لَهْوٌ، فَالدُّنْيَا لَعِبٌ أَيْ إِقْبَالٌ عَلَى الْبَاطِلِ، وَلَهْوٌ أَيْ إِعْرَاضٌ عَنِ الْحَقِّ.
الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْمُشْتَغِلَ بِشَيْءٍ يُرَجِّحُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِهِ لَا مَحَالَةَ حَتَّى يَشْتَغِلَ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيمِ بِأَنْ يَقُولَ أُقَدِّمُ هَذَا وَذَلِكَ الْآخَرُ آتِي بِهِ بَعْدَهُ أَوْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ غَيْرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْأَوَّلُ لَعِبٌ وَالثَّانِي ... لَهْوٌ" [1] ."
ولتوضيح الفروق الدلالية بين الكلمتين علينا أن نراجع استعمالاتهما في القرآن الكريم. وبالرجوع إلى ورود كلمتى (اللعب - اللهو) في القرآن الكريم تبين تكرارهما واجتماعهما معطوفين في ست آيات: أربع منها تقدم فيها اللعب [2] ، وتقدم اللهو على اللعب في آيتين [3] . ومفاد أقوال المفسرين في توضيح معاني هذه الآيات أن"اللعب ما رغَّب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة" [4] ، أو أن اللعب"هو ما يستمتع بظواهر الأشياء، واللهو هو ما يتلهى ببواطنها" [5] ، أو أن"اللعب عمل لا يهدف إلى غاية أو منفعة، وليس فيه حكمة، واللهو: انصراف النفس عن الجد إلى الهزل" [6] .
وبناء على ما سبق وجريًا على القاعدة التي تقرر أن العطف يقتضي المغايرة فإن الفرق بين (اللعب) و (اللهو) واضح، فاللعب عمل (فعل) لا يهدف إلى غاية أو منفعة، ويأتي غالبا بطريقة عبثية لا جدوى منها، ولذلك كان في أكثره يطلق على الصبيان، واللهو: انشغال الإنسان وانصرافه بما لا غنى به ولا منفعة فيه.
2 -ما كان ملمح التفريق بينهما باعتبار العموم والخصوص، ومن ذلك:
(1) مفاتيح الغيب (25/ 75) ، وينظر: حاشية الشهاب (4/ 48) ومحاسن التأويل (4/ 345) .
(2) وهي: الآية رقم (32) و (70) من سورة الأنعام، والآية رقم (36) من سورة محمد، والآية رقم (20) من سورة الحديد.
(3) وهما: الآية رقم (51) من سورة الأعراف، والآية رقم (64) من سورة العنكبوت.
(4) النكت والعيون (5/ 480) .
(5) تأويلات أهل السنة (9/ 286) .
(6) البحر (4/ 108) .