جاء في الحاوي في التفسير من لطائف الإمام القشيري [1] في الآية قال:" {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الهداية في الحقيقةِ إمالةُ القلبِ من الباطلِ إلى الحقِّ، وذلك من خصائص قدرة الحقِّ - سبحانه -" [2] .
يُفاد من قول الإمام القشيري أن حقيقة الهداية وأصلها يرجع إلى خلق الإيمان في القلب وهو محض الإرشاد، وقد أصل لهذه المادة كثير من العلماء [3] ، إذ يقول ابن عطية:"الهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تؤملت رجعت إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: {أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 5] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] وقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [القصص:56] وقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ} [الأنعام: 125] . فهذه آية لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد. وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء، من ذلك قوله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ} [الرعد: 7] أي داع وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] وهذا أيضا يبين فيه الإرشاد، لأنه ابتداء إرشاد، أجاب المدعو أو لم يجب، وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام، من ذلك قوله تعالى: {أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى} [سورة طه: 5] ."
قال المفسرون: معناه «ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها» . وهذا أيضا بين فيه معنى الإرشاد، وقد جاء الهدى بمعنى البيان، من ذلك قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ} [فصلت: 17] .
(1) تفسير القشيرى (3/ 73) .
(2) الحاوي في التفسير (النسخة المطورة) (149/ 525) .
(3) ينظر: المحرر الوجيز (1/ 73) ، والجواهر الحسان (1/ 166) ، وبصائر ذوي التمييز (5/ 312) ، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (1/ 125) ، والمنار في علوم القرآن (5/ 331) .