قال المفسرون: «معناه بينا لهم» : معناه دعوناهم ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى} [سورة الليل: 12] أي علينا أن نبين، وفي هذا كله معنى الإرشاد" [1] ."
فقد ذكر ابن عطية أن مادة: هدى ترجع إلى أصل واحد وهو الإرشاد وكلها إذا تأملت راجعة إلى الإرشاد. فقد يجيء الهدى بمعنى خلق الإيمان، وبمعنى الدعاء، وبمعنى الإلهام، وبمعنى البيان وقد سبقه إلى هذا الأصل ابن فارس حيث يقول:"الْهَاءُ وَالدَّالُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ: أَصْلَانِ [أَحَدُهُمَا] التَّقَدُّمُ لِلْإِرْشَادِ، وَالْآخَرُ بَعْثَةُ لَطَفٍ. فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ: هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ هِدَايَةً، أَيْ تَقَدَّمْتُهُ لِأُرْشِدَهُ. وَكُلُّ مُتَقَدِّمٍ لِذَلِكَ هَادٍ "
والأصل الآخر: الهدية: ما أهديت من لطف إلى ذي مودة يقال أهديت أهدي إهداءً والمهدي: الطبق تهدى عليه" [2] ."
ويُلاحظ من خلال ما سبق بيانه أن الإمام ابن عطية، ومن وافقه من المفسرين ردوا أصل هذه المادة (هدي) إلى الإرشاد، كما ربطوا بين هذا الأصل وبين استعمالاته وتصرفاته؛ ولكن ابن فارس رد هذه المادة إلى أصلين.
والذي يرجحه البحث أن الأصل المعنوي للتركيب واحد وهو الإرشاد وهو أدق من تفريع ابن فارس له إلى أصلين، ولو أنصف ابن فارس لرد الأصل الثاني إلى الأصل الأول لأن الهادي والمرشد يتقدم المَهْدِيّ، وكذلك الهدية"الأصل الثاني عند ابن فارس"تتقدم المُهْدِي لأنه يجعل هديته كالوسيلة إلى المُهْدَى إليه فخلق الإيمان إرشاد، والدعاء هداية وإرشاد، والإلهام والتبيين كذلك، فالأصل المعنوي واحد وإن اختلفت العبارات في التعبير عنه.
ومن خلال المعاني السابقة استنبط أستاذنا الدكتور محمد حسن جبل معنى محوريًا مناسبًا لهذا التركيب وهو"تبين الوجهة أو تبيينها بالتقدم أو الكشف .. كما تتبين الوجهة من اتجاه أعناق"
(1) المحرر الوجيز (1/ 73) .
(2) مقاييس اللغة (6/ 42) (هدى) .