أحدهما أنا خلينا الشياطين وإياهم، فلم نعصمهم من القبول منهم - قال أبو إسحاق: والوجه الثاني - وهو المختار - أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم" [1] ."
وقد تتبع الزبيدي أقوال اللغويين في معنى الإرسال وجمعها في قوله:"والإِرْسَالُ: التَّسْلِيطُ، وَبِه فُسِّرَ قولُه تَعالَى: {أَنَّا أَرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًَّا} مريم (83) ، أَي سُلِّطُوا عليْهم، وقُيِّضُوا لَهُم بكُفْرِهم، كَمَا قالَ تعالَ: {ومَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا} الزخرف (36) ، وقيلَ: مَعْناهُ أَنَّا خَلَّيْنَا الشّياطِينَ وإيَّاهُمْ، فَلم نَعْصِمْهُ مِنَ الْقَبُولِ مِنْهُم، وكِلا القَوْلَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّجَّاجُ، قَالَ: والمُخْتارُ الأَوَّلُ. وَقيل: الإِرْسالُ هُنَا: الإِطْلاقُ، والتَّخْلِيَةُ، وَبِه فَسَّرَ أَبُو العَبَّاسِ الآيةَ. والإِرْسالُ أَيْضا: الإِهْمالُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِن الإِطْلاقِ والتَّخْلِيَةِ. والإِرْسالُ، أَيْضا: التَّوْجِيهُ، وبهِ فُسِّرَ إِرْسالُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أَنْبِياءَهُ عليهمُ السَّلامُ، كأنَّهُ وَجَّهَ إِلَيْهِم أَنْ أَنْذِرُوا عِبادِي" [2] .
وبناءً عليه فجل المعاني الواردة للإرسال تعود إلى المعنى الأصلي للكلمة، فأصل الإرسال في اللغة [3] : الانبعاث برفق وتؤده، ومنه الترسل في الكلام والمشي، ومنه قولهم على رسلك أي ترفق وتأن في القول أوالفعل، وهذا الأصل أدى إلى وجود الاشتراك بينها.
وقد ورد الإرسال في القرآن الكريم بمعان مقاربة للأصل اللغوي، وجُلُّها يختص بمعنى التوجيه المصحوب برحمة ورفق وأناة؛ فاستعمل في معنى إرسال الرسل، وفي معنى توجيه الخير كالرياح والمطر ونحوهما، وقد شذَّ عن هذا الاستعمال ما كان الفعل فيه مركبًا مع حرف الاستعلاء (على) كما في قوله تعالى: {أَنَّا أَرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًَّا} وهنا تغيرت الدلالة الأصلية للفظ الإرسال؛ حيث اكتسبت من حرف الاستعلاء معنى القوة والقهر والتسليط والعذاب [4] .
(1) معاني القرآن وإعرابه (3/ 346) .
(2) تاج العروس (29/ 72) (رسل) .
(3) ينظر: مقاييس اللغة (2/ 392) (رسل) والمفردات (353،352) .
(4) ينظر: معجم الفروق الدلالية للدكتور: محمد محمد داود (138،137) .