وقال أبو حاتم السجستاني في أضداده:"قال أبوعبيدة [1] : أسررت الشيء أخفيته وأظهرته أيضًا. وكان يقول في هذه الآية: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} يونس (54) أظهرها، ولا أثق بقوله في هذا، والله أعلم، وقد زعموا أن الفرزدق قال:"
فَلَمَّا رأى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ... أسَرَّ الحَرُورِيُّ الّذِي كانَ أضْمَرَا [2]
ولا أثق أيضًا بقول الفرزدق في القرآن، ولا أدري لعله قال: الذي كان أظهرا، أي كتم ما كان عليه، والفرزدق كثير التخليط في شعره وليس في قول نظيريه جرير والأخطل شيء من ذلك، فلا أثق به في القرآن" [3] . وادعى الأزهري أن استعمال أسر بمعنى أظهر غلط وأن المستعمل بذلك المعنى هو أشهر بالشين المعجمة لا غير [4] ."
ومن خلال ما سبق يتضح للبحث اختلاف العلماء في قبول لفظ (أسرَّ) بمعنى الإظهار، فأكثر اللغويين والمفسرين على أنه من الأضداد، وذهب الفراء، والسجستاني، والأزهري إلى إنكار ذلك، ومنشأ هذا الإنكار وسببه كما بينت سابقًا.
ويرى البحث أن الرأي الأولى بالقبول هو القول بأن لفظ (أسرَّ) من الأضداد، وهو قول جمهور العلماء، والسبب في ذلك؛ يرجع إلى التطور الصوتي، فالمعنى الأصلي للكلمة، كما يقول ابن فارس:"السِّينُ وَالرَّاءُ يَجْمَعُ فُرُوعَهُ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ. وَمَا كَانَ مِنْ خَالِصِهِ وَمُسْتَقَرِّهِ. لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ هَذَا. فَالسِّرُّ: خِلَافَ الْإِعْلَانِ. يُقَالُ أَسْرَرْتُ الشَّيْءَ إِسْرَارًا، خِلَافَ أَعْلَنْتُهُ. وَمِنَ الْبَابِ السِّرُّ، وَهُوَ النِّكَاحُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَنُ ... بِهِ" [5] .
أمَّا دلالة (أسرَّ) على الإعلان فمن باب التطور الصوتي للكلمة، فأصل الكلمة فيه أشر بالشين، وهو يدل على الانتشار، يقول ابن فارس:"الشِّينُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى"
(1) مجاز القرآن (2/ 109) .
(2) من بحر الطويل والبيت ليس في"ديوانه"، وقد نسب إليه في كتاب"الأضداد"للأصمعي (21) ، وكتاب"الأضداد"لابن الأنباري (64) .
(3) الأضداد له (130) .
(4) ينظر: التهذيب (4/ 238) (سرر) .
(5) مقاييس اللغة (3/ 67) (سرر) .