وبقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء: 45] يشير إلى أنه ليس للأنبياء والأولياء إلا الإنذار والنصح وليس لهم إسماع الصم، وهم الذين لعنهم الله في الأزل بالطرد عن جوار الحضرة إلى أسفل الدنيا، وأصمهم وأعمى أبصارهم بحبها، وطلب شهواتها، فلا يسمعون ما ينذرون به، وإنما الاستماع لله تعالى لا للخلق كما قال الله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] .
وفي قوله تعالى: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46] إشارة إلى أن أهل الغفلة والشقاق لا ينتبهون بتنبيه الأنبياء، ونصح الأولياء في الدنيا حتى يمسهم أمر من آثار عذاب الله بعد الموت، فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ} [الملك: 11] ونادوا بالويل والثبور على أنفسهم بما كانوا ظالمين.
وفي قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] إشارة إلى أن الموازين على قسمين: موازين الفضل، وموازين العدل:
* فأمَّا موازين الفضل: فقد وضعت في المبدأ الأول حين قسمت الأشياء كما قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32] قورن بها أولًا أعظم وزن لمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] ثم وزن بها للرسل ورجع لبعضهم كما قال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة: 253] ثم وزن بها للأولياء المحبوبين كما قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] ثم وزن بها للمؤمنين فقال الله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21] ثم وزن بها لبني آدم عمومًا بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
* وأما موازين العدل: فقد وضعت للمداد وهو يوم القيامة {تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر: 17] وذلك؛ لأن العالم بما فيه خلق كشجرة لثمرتها ولها بذر، فقسم بذرها في المبدأ بميزان الفضل رعاية لمصلحة الشجرة لثمرتها ولها بذر، فقسم بذرها في المبدأ بميزان الفضل رعاية لمصلحة الشجرة ولو وزن بميزان العدل ما تم أمر الشجرة للتسوية في القسمة؛ لأنه لو لم يكن الفضل مخصوصًا ببعضها دون بعض ما كان للشجرة ثمرة ولا للثمرة شجرة، فإذا تم أمر الشجرة وأثمرت فاقتضت الحكمة بأن وزن لها في الآخرة بميزان العدل؛ لإيصال الماء بالسوية إلى أجزاء الشجرة رعاية لصلاح الشجرة والثمرة {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء: 47] إلى موضع صالح {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] في رعاية صالح الشجرة والثمرة من المبدأ إلى المعاد.