فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 1648

ثم أخبر عن أمثال هذه الأعمال من الأفعال والأقوال بقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} ، إشارة في الآيتين: إن العبد إذا غلبت عليه الصفات الذميمة واستولى عليه الهوى والشيطان ومات قلبه، تكاملت الصفة الأمارة بالسوء لنفسه، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] إليه الشيطان لقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ} [الأنعام: 121] ، والنفس إذا تكلمت بالهوى تدعي بالربوبية ادعاء فرعون، {فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] ، فيكون كلامها من صفات الربوبية، وإن من صفات الربوبية قوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ} [محمد: 38] ، فإذا تم فساد حال النفس الأمارة بالسوء تثبت صفات الربوبية لنفسها، وصفات العبودية لربها، كقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} [آل عمران: 181] ، أثبتوا لأنفسهم صفات الربوبية وهي الغناء، وأثبتوا لله صفة العبودية وهي الفقر، {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} [آل عمران: 181] ، وسنميت قلوبهم بأقوالهم هذه كما أمتناها بأفعالهم، وهي {وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181] ، يشير إلى: إن جزاء هذه الأحوال في حق الله سبحانه مثل جزاء هذه الأفعال في حق الأنبياء - عليهم السلام - {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ} [آل عمران: 181] ، القلب الميت {الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181] ، بنار القهر والقطيعة {ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182] ؛ أي: بشؤم معاملاتكم القولية والفعلية على وفق الهوى والطبيعة، وخلاف الرضاء والشريعة، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] ، بأن يضع الشيء في موضعه لهم؛ يعني: لا يجعل المصلح منهم مظهر صفة قهره، ولا المفسد منهم مظهر صفة لطفه، كما قال تعالى: {اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .

ثم أخبر عمن لهم مثل حالهم وشبه مقالهم بقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183] ، الإشارة في الآيتين، فاعلم أولًا أن الإنسان هو العالم الأصغر فيوجد فيه النموذج من كل ما في العالم الأكبر، وفي قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183] ، إشارة إلى: إن في اليهود صفات البهيمة والسبعية والشيطنة، {أَلاَّ نُؤْمِنَ} [آل عمران: 183] ؛ أي: لا تستسلم ولا تنقاد {لِرَسُولٍ} [آل عمران: 183] ؛ أي: خاطر روحاني وإلهام رباني، أو وارد حق {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} [آل عمران: 183] ، وهو الدنيا وما فيها نجعلها نسيكة لله عز وجل {تَأْكُلُهُ النَّارُ} [آل عمران: 183] ، {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 6 - 7] ، التي تقدح من زناد نخبهم، فإن كثيرًا من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قربانًا لله تعالى فلا تأكله نار الله، {قُلْ} [آل عمران: 183] ، يا دار الحق {قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي} [آل عمران: 183] ؛ أي: واردات من الحق {بِالْبَيِّنَاتِ} [آل عمران: 183] ، والبراهين الظاهرة والحجج الباهرة، {وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183] ؛ أي: بإتيان الدنيا قربانًا، {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [آل عمران: 183] ، غلبتموهم وتحرقونهم حتى لم يبق أثر من تلك الواردات، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183] ، إنكم تنقادون بالواردات الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت