فهرس الكتاب

الصفحة 909 من 1648

ثم أخبر عن القرآن وما فيه من الحق والفرقان بقوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] إشارة إلى إنزال القرآن كان بالحق لا بالباطل؛ وذلك لأنه تعالى لما خلق الأرواح المقدسة {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ، ثم بالنفخة ردها إلى {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] وهو قالب الإنسان احتاجت الأرواح في الرجوع إلى أعلى عليين قرب الحق وجواره إلى حبل يعتصم به بالرجوع؛ فأنزل الله القرآن وهو الحبل المتين وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران: 103] .

{وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] ليضل به أهل الشقاوة بالرد والجحود والامتناع عن الاعتصام به، ويبقي به في الأسفل حكمة بالغة منهم، ويهدي به أهل السعادة بالقبول والإيمان والاعتصام به، والتخلق بخُلقه إلى أن يصل إلى كمال قربه، فيعتصم به كما قال: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحج: 78] . {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ} [الفرقان: 56] {إِلاَّ مُبَشِّرًا} [الفرقان: 56] لأهل السعادة بسعادة الوصول والعرفان عند التمسك بالقرآن {وَنَذِيرًا} [الفرقان: 56] لأهل الشقاوة بشقاوة البعد والحرمان والخلود في النيران عند الانفصام عن حبل القرآن وترك الاعتصام به {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ} [الإسراء: 106] أي: على أهل الغفلة والنسيان {عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: 106] وهذا كمال العناية بأن فرقه آية آية وسورة سورة في الإنزال بالتدريج ليعلموا بها ويتخلقوا بالتأني والتدبر.

{وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] على قانون الحكمة ليبلغ به أهل السعادة والشقاوة إلى أعلى درجات القرب وأسفل دركات البعد، وإظهار اللطف والقهر.

ثم قال: {قُلْ} [الإسراء: 107] لأهل السعادة {آمِنُواْ بِهِ} [الإسراء: 107] إظهارًا للطفنا أو {قُلْ} [الإسراء: 107] لأهل الشقاوة {أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا} [الإسراء: 107] إظهارًا لقهرنا، فإن الحكمة في تكوين الفريقين إظهار اللطف والقهر {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} [الإسراء: 107] يعني: العلماء بالله إذا آتاهم الله العلم بإصابة رشاش نوره في عالم الأرواح {مِن قَبْلِهِ} [الإسراء: 107] من قبل نزول القرآن {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [الإسراء: 107] يعني: خطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107] للتواضع والتذلل عند الإجابة إذ قالوا: {بَلَى} [الأعراف: 172] .

{وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ} [الإسراء: 108] على ما وعدنا ربنا في الأزل بقوله: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ} [البقرة: 217] يا أهل الشقاوة {عَن دِينِهِ} [البقرة: 217] أي: الإيمان وقبول القرآن {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] {إِن كَانَ} [الإسراء: 108] أي: قد كان {وَعْدُ رَبِّنَا} [الإسراء: 108] في الأزل {لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 108] إلى الأبد.

ثم كرر قوله: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} [الإسراء: 109] أي: إذا تتلى عليهم مرة أخرى في عام العودة يخرون بالأبدان على وجوههم و {يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] يشير إلى أنه في عالم الأرواح كان التواضع والسجود؛ لأنه من شأن الأرواح، ولكن لم يكن البكاء والخشوع؛ لأنه من شأن الأبدان، وإنما أرسلت الأرواح إلى الأبدان لتحصيل هذه المنافع في العبودية وبقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110] يشير إلى أن الله اسم الذات والرحمن اسم الصفة {أَيًّا مَّا تَدْعُواْ} [الإسراء: 110] أي: بأي اسم من أسماء الذات والصفات تدعونه {فَلَهُ الأَسْمَآءَ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] أي: كل من أسمائه حسن فادعوه حسنًا، وهو أن تدعوه بالإخلاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت