فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 1648

ثم أخبر عن الدواء بعد الداء بقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110] ، والإشارة فيها: إن من يعمل سوءًا؛ أي: عملًا من مأمورات النفس وشهواته، {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] ، أو يظلم نفسه بأن يشرك بالله في عبودية أحدًا، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: 110] ، يفر من أنانيته ويطلب من الله أن يغفر بهويته، {يَجِدِ اللَّهَ} [النساء: 110] عند الطلب، فإنه قال:"من طلبني وجدني"، {غَفُورًا} [النساء: 110] بهوية أنانيته، {رَّحِيمًا} [النساء: 110] فيرحم أنانيته بهويته، {وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا} [النساء: 111] ، ولا يستغفر الله، {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء: 111] ، فإن دين الإثم يظهر في الحال في صفاء مرآة قلبه فيعميه عن رؤية الحق، ويضمه عن سماع الحق، كما قال تعالى: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ، {وَكَانَ اللَّهُ} [النساء: 111] في الأزل {عَلِيمًا} [النساء: 111] ، بكسب إثمه {حَكِيمًا} [النساء: 111] فيما أظهر أثر كسبه في زين قلبه، {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً} [النساء: 112] ؛ وهي ما تكسب نفسه من مذمومات الصفات بغير عمده وقصده، {أَوْ إِثْمًا} [النساء: 112] ذنبًا بعمده وسعيه، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112] ؛ أي: قلبه البريء من مذمومات الصفات وعمده الذنب فإن من شأن القلب الطاعة والعبودية والصفات الحميدة؛ يعني: تسعى النفس وتتبع شهواتها واستيفاء حظوظها إلى أن يؤثر ظلمة طبيعتها في صفات القلب، ويستلذ القلب من مشتهيات النفس فيتصف القلب بصفات النفس فيبهت عنها ويقع في ورطة الهلاك، {فَقَدِ احْتَمَلَ} [النساء: 112] صاحب النفس {بُهْتَانًا} [النساء: 112] مما أبهت القلوب عن العبودية والطاعة {وَإِثْمًا مُّبِينًا} [النساء: 112] مما أنبت به نفسه من المعاصي وأثم بها قلبه، فيكون بمنزلة من جعل اللب وهو القلب جلدًا وهو النفس، وهذا من إكسير الشقاوة فلا ينقطع عنه العذاب، إذا صار كل وجوده جلودًا فيكون من جملة الدين، قال الله تعالى فيهم: {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] ؛ لأنهم بدلوا الألباب بالجلود وهاهنا كما قررنا، والله أعلم.

ثم أخبر عن فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بالفضل جعله خير البرية بقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} [النساء: 113] ، والإشارة فيها: إن فضل الله موهبة من مواهب يؤتيه من يشاء، وليس لأحد فيه مدخل بالكسب والاستجلاب، وبذلك يهدي للإيمان ويوفقه الله للعمل الصالح، ولهذا قال سيد الأولين والآخرين: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 113] من الأزل إلى الأبد {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} [النساء: 113] عن طريق الوصول إلى الله، ولولا إنا أفنيناك عنك بل عن كل ذرة من ذرات المخلوقات من الروحانيات والجسمانيات حتى نفسك وروحك لكان حجابك عن الحضرة وما معك من الوصلة، فبجذبات الفضل أفنينا عنك وعن حجب المكونات، وبكرامات الرحمة جعلنا ذرات المكونات مرقات لك إلى الوصلة، وأبقيناك بنا حتى كنت فضلنا ورحمتنا فأرسلناك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت