قال إبليس بعدها لُعن وطُرد وبعد إظهار العداوة وانتقامًا للحقد وإقدامًا على الحسد {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء: 62] وفضلته بالخلافة والسجود {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الإسراء: 62] يعني: على صفة الإغواء والإضلال {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء: 62] لأستولين على الأولاد بالإغواء، كما قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا} [الإسراء: 62] يعني: من عبادك المخلصين.
{قَالَ اذْهَبْ} [الإسراء: 63] يعني: على طريقك السوء في الإغواء والإضلال {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الإسراء: 63] على الضلالة {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا} [الإسراء: 63] مكملًا.
{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] أي: بتمويهات الفلاسفة وشبهات أهل الأهواء والبدع، وطامات الإباحية، وما يناسبها من مقالات أهل الطبيعة مخالفا للشريعة {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ} [الإسراء: 64] وهو كل راكب يركب الهوى، ويقال الدنيا {وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64] وهو كل ماشٍ حريص على الدنيا وشهواتها طالب للذاتها {وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ} بتحصيلها من غير وجه بإسراف النفس وإنفاقها أو ممسكًا لها بالبخل لإتلاف الأولاد {وَالأَوْلادِ} بتضييع زمانهم وإفساد استعدادهم في طلب الدنيا ورئاستها متغافلًا عن تهذيب نفوسهم وتزكيتهم أو تأديبها وتوفيها عن الصفات المذمومة وتحليتها بالصفات المحمودة، وتعلمهم الفرائض والسنن والعلوم الدينية، وتحرضهم على طلب الآخرة والدرجات العلى، والنجاة من النار والدركات السفلى، {وَعِدْهُمْ} نيل المقصد الأعلى في الآخرة والأولى على البطالة وإتيان الهوى، {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ} بكرم الله وعفوه وغفرانه للذنوب والمعاصي من غير توبة وإنابة {إِلاَّ غُرُورًا} [الإسراء: 64] كما قال تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] أي الشيطان.
وفي قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] إشارة إلى أن عباد الله هم الأحرار عن رق الكونين وتعلقات الدارين فلا يستعبدهم الشيطان، فلا يقدر أن يتعلق بهم فيضلهم عن طريق الحق ويغويهم بما سواه {وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65] لهم في ترتيب أسباب سعادتهم وتفويت أسباب شقاوتهم والحراسة عن الشيطان والهداية إلى الرحمن.
ثم أخبر عن أصناف ألطافه وأوصاف أعطافه بقوله تعالى: {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ} [الإسراء: 66] يشير إلى فلك الشريعة يجريه في بحر الحقيقة، المعنى إن لم يكن فلك الشريعة ما تيسر لأحد العبور على بحر الحقيقة.
{لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [الإسراء: 66] وهو جذبة العناية {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [الحديد: 21] يشير إلى أن جذبة العناية ليست بمكتسبة للخلق؛ بل هي من قبيل الفضل لقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ} [الإسراء: 66] في الأزل {رَحِيمًا} [الإسراء: 66] فضلًا منه وتكرمًا.