وفي قوله: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] إشارة إلى أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ} أي: ريحه منهما؛ بل من وجد قلبه وجد فيه ربه؛ إذ هو سبحانه وتعالى متجلٍ لقلوب أولياء المؤمنين وقد وعد الله بوجدانه الطالبين فقال:"ألا من طلبني وجدني"والسر فيه أن طلب الحق تعالى يكون بالقلب لا بالقالب، ووجدانه أيضًا يكون في القلب كما قال موسى عليه السلام:"إلهي أين أجدك؟ قال: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي"أي: من محبتي.
وفي قوله: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] إشارة إلى أن ترك طلب الله تعالى واليأس من وجدانه كفر، {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} [يوسف: 88] يشير إلى أن إخوة أوصاف البشرية لمَّا وصلوا بسر أحكام الشريعة، وتدبير آداب الطريقة إلى سرادقات حضرة يوسف القلب، وأراد سلطانه في مملكة مصر الملكوت، وشاهدوا منه آثار العزة والجبروت وقد مسهم ضر تعلقات الجسمانية، وتصرفات الدنياوية، وانعدام أقوات الروحانية، وتحقق عندهم احتياجهم لأنعامه وإحسانه، {قَالُواْ يأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا} [يوسف: 88] وهم قوى الإنسانية {الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} [يوسف: 88] في الأعمال البدنية، والأفعال الإنسانية، والسعي في الترقي عن حضيض الحيوانية إلى ذروة كما الروحانية.
{فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} [يوسف: 88] بإفاضة سجال العوارف الروحانية علينا، وإسباغ ظلال العواطف الربانية لدينا، {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} [يوسف: 88] بإسبال سبحات الإعزاز والإكرام، وإدرار ما شاء من العطاء والإنعام، {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88] بإعطاء الخلق العفو عمَّا سلف كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:"أَنفق أُنفق عليك" {قَالَ} [يوسف: 89] يوسف القلب، {هَلْ عَلِمْتُمْ} [يوسف: 89] بأوصاف البشرية، {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} [يوسف: 89] القلب أن ألقيتموه في غيابة جب الحيوانية، {وَأَخِيهِ} [يوسف: 89] وبنيامين السر بعدتموه عن يعقوب الروح.
{إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89] أي: إذا كنتم على طبيعة الظلومية والجهولية الإنسانية تظلمون على أرباب الروحانية جهلًا منكم، فلمَّا عرفهم ضيفهم به عرفوه، {قَالُوا أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} [يوسف: 90] القلب الذي ما عرفنا قدرك، وأردنا بالجهل إذلالك، وأراد الحق تعالى إعزازك وإكرامك، {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي} [يوسف: 90] وهذا أخي بنيامين السر، {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ} [يوسف: 90] بأن جمعنا شملنا بعدما فرقتمونا، {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ} [يوسف: 90] عن شهوات الدنيا، {وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] على مجاهدة تركها، وأيضًا من يتق عن غير الله ويصبر على مقاساة شدائد طلبه، {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] الذين أحسنوا السعي في الطلب بأن يوصلهم إلى المقصود والمطلوب كما قال:"ألا من طلبني وجدني".