ثم أخبر عن الحكمة في إهمال النفوس في بعض الأوقات لاتباع الهوى فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ} [يونس: 67] أي: ليل البشرية التي التمتع للنفوس في شهوات الدنيا ولذاتها، {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [يونس: 67] فتستريحوا من نصب المجاهدات، أو تعب الطاعات في بعض الأوقات، ويزول عنكم ملامة النفوس وكلالة القلوب، ويستجد شوقكم وشوق طلبكم فيه، ويجعل بعد ذلك لكم نهار الروحانية مبصرًا.
{وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] أي: نهار الروحانية مبصر أي: راضيًا وبصيرة بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ويتدارك بها ما فاته بالوقفات في ليل البشرية، {إِنَّ فِي ذلِكَ} [يونس: 67] الإهمال، {لآيَاتٍ} [يونس: 67] دلالات، {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67] حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.
ثم أخبر عن الآفات والشبهات التي تقع في أثناء السلوك عند الظهور نهار الروحانية؛ ليحترز المسالك عنها فقال: {قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [يونس: 68] أي: مشركو النفوس، {قَالُواْ} عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية مقترنًا بتجلي صفة إبداع الحق وقع الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال حتى نسبت الأوبة والبنوة لنص المقامات بالوالد إذ تحققت الأبوة والبنوة، وهذا الكشف والإملاء هو مبدأ ضلالة اليهود والنصارى في قولهم: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
كما قال الله تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} [يونس: 68] عن اتخاذ الولد واحتياجه إلينا، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} [يونس: 68] سماوات الروحانية من الأحوال والكشوف والمشاهدات، {وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68] أرض النفوس من الوهم والخيلاء وما ينشئن من الشبهات والآفات.
{إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} [يونس: 68] أي: ما عند النفوس حجة تصلح لصنع هذه الشبهات، {بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] وحقيقته، {قُلْ} [يونس: 69] يا قلب النفوس، {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [يونس: 69] من النفوس الأمارة بالسوء، {لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] لا يظفرون بكشف الحقائق ما داموا على هذه الصفة.
{مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا} [يونس: 70] أي: حاصل أمرهم وقصارى أمنتيهم أن يتمتعوا في الدنيا من ملاذها وشهواتها أيامًا قليلًا، {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [يونس: 70] حبرًا وقهرًا، {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ} [يونس: 70] من ألم البعد عن الحضرة، {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 70] أي: بكفرهم إذا أثبتوا الأبوة والنبوة ووقعوا في عذاب البعد ولكن في الدنيا ما ذاقوا ألم العذاب؛ لأنهم كانوا نيامًا، والنائم لا يجد ألم شيء من الجراحات حتى ينتبه"والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"ثم بعد الموت يذوقون ألم ما بهم من العذاب.
ثم أخبر عن عاقبة المنذرين المكذبين بقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} [يونس: 71] إلى قوله: