فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 1648

ثم أخبر عن إنزال الأحكام على الخواص بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] ، الإشارة إن الله تعالى جعل المساواة بين النفوس في القصاص كما جعلها بين الأرواح والأعضاء، فقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} ، كما قاله تعالى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] ؛ ليتحققوا بالتساوي وفي الاستعداد الإنساني لقبول الفيض الرباني في طلب الكمال والبلوغ إلى ذروة الوصال، وأنه تعالى قد كرم بني آدم بنيل هذه الكرامة، وعنهم باختصاص هذه السعادة فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] ، وإنما التقصير والتواني وقع من قبل الإنسان في طلب الكمال بترك الاجتهاد، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، وقد جاء في بعض الكتب المنزلة"من طلبني وجدني"، والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10] ، فأظهر الله من تقي في حضيض النقصان بقي لترك التزكية بالخذلان، وإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وقال:"من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا"، وفيه معنى آخر وهو كما أن في إهلاك النفس بهلاك النفر المهلك، وفي إتلاف العضو المثلث كذلك إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وسن قلبه علاج معالجة وبمزيد الإدراك في هذه الأشياء المذكورة {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} [المائدة: 45] ، أي: بهذه الإحياء والمعالجة {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة: 45] ، على نفسه فيما فرط في إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 45] ، وفي تزكيتها عن الأوصاف الذميمة وتجليها بالأخلاق الحميدة على قانون الشريعة بتربية أرباب الطريقة للوصول إلى الحقيقة {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، فقد ظلموا أنفسهم بترك التربية؛ إذ وضعوا متابعة الحظوظ في موضع ملازمة الحقوق.

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46] ، أي: اتقاء الأنبياء بعضهم بعضًا، فأنزلنا الكتب بعضها مصدقًا لبعض ومفردًا له؛ لبيان الدين القويم والهداية إلى صراط مستقيم والرجوع إلى رب العالمين لأرباب اليقين من المتقين {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] ، وكذلك أهل كتاب كل كتاب في سلوك الطريق {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 47] ، من أهل كل كتاب {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ، الخارجون عن الصراط المستقيم فضلوا عن طريق الحق، وذلوا بالباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت