ثم أخبر عن أهل الصدق والعرفان وأهل الاختلاف والخذلان بقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93] قوله تعالى: {بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} يشير بإسرائيل إلى الروح العلوي، وببنيه إلى القلب والسر فإنهما من لذات دون النفس؛ لأنها إن كانت من مولداته ولكنها من البنات لا من البنين {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} منزلًا عليًّا في جوار الروح أتى طبعًا.
{وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [يونس: 93] أي: من الفيض الرباني الفائض الروح العلوي بإنهما خلقا متصفين بصفات الروح، وما يلي إلى عالم العلوي من الحضرة من صفة الرحمانية فيفيض من الروح على القلب؛ لأن القلب من الروح بمنزلة العرش من الرب وهو محل استواء صفة الرحمانية من الرب يعني: محل ظهوره هذه الصفة الاختصاصية بقبول فيض هذه الصفة أولًا، كذلك مستوى عرش القلب وهو قابل الفيض الروحانية أولًا، فكل ما فاض من صفة الرحمانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فافهم جدًّا.
{فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} [يونس: 93] أي: ما اختلف القلب والسر من وصف خلقهما على الصفات الروحانية حتى جاءهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحكام القرآن، وأركان الشريعة، والسير إلى الله تعالى على أقدام الطريقة، والوصول إلى عالم الحقيقة، وذلك عند البلوغ وجذب تكاليف الشرع، المقبل من قبلها صار مقبولًا، والمدبر من دبرها فصار مردودًا، وأيضًا بقوله: {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93] أي: بين الأصبعين من أصابع الرحمن، فإنه مأوى القلوب متوجهين إلى حضرت الجلال، {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} [يونس: 93] ؛ أي: ما تغيروا عن أحوالهم حتى أدركهم علم الله الأزلي بما قدر وقفي فيهم بالسعادة والشقاوة، فأقام قلوب أهل السعادة على الطاعة والعبودية، وقبول الدعوة، وطلب الحق، وأزاغ قلوب أهل الشقاوة عنها إلى المعصية والتمرد ورد الدعوة وترك الحق.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} [يونس: 93] بالقبول والرد {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [يونس: 93] على قدر اختلافهم وتغير أحوالهم، {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 93] بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، قال: الأعمال نتائج الأحوال، والأقوال من نتائج الأعمال.
ثم أخبر عن أهل الشك والتكذيب وأهل الحجج والتقريب بقوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} [يونس: 94] إلى قوله: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] .
قوله: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} [يونس: 94] أي: مما خصصناك به من سائر الأنبياء والمرسلين من خصوصية ختم النبوة، وخيرية الأمة، وإعطائك الحق المودود والمقام المحمود، وغير ذلك من المواهب السنية والمراتب العلية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
{فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] فإنا قد بينا في الكتب المنزلة طرفًا عن علو قدرك، وعظم شأنك، ورفعة مكانك، ورتبة سلطانك؛ ليتحقق لك ويتبين عندك أن ما جاءه من الحق فهو حقك لا تغير فيه ولا تبديل، وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان ضعيفًا فصبر النظر وفي الهمة، فإذا أنعم عليه بفتح باب الكرامات وهبوب رياح السعادات يكتال عليه بأدنى الكيل ما يضيق به ذرعه وينكسر به فرعه، فلا يحمل مايحتمل عليه، ولا يتحقق ما ينفعل به لديه، فيقلن: أنه مما يخادع به الأطفال وشك فيما يصادفه من الآمال، بل هو من كرامة الأحياء، أو من وخامة الابتلاء.