فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 1648

ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] ، إلى قوله: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] ، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} ولم يتفكر أن من اشتمل عليه أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: {قُلْ} [المائدة: 17] ، في جواب هؤلاء المغرورين الممكورين {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 17] ، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئًا بالدفع والمنع {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 17] ، قهرًا منه بشؤم قولكم: إن الله هو المسيح ابن مريم: {وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 17] ، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [المائدة: 17] ، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17] ، يعني: الإله من يكون بهذه الصفة.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى} [المائدة: 18] ، من غاية خذلانهم وجهلهم وطغيانهم {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة: 18] ، أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه وقله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] .

{وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] ، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ} [الجمعة: 6] ، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} [المائدة: 18] ، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا القول عاجلًا لاستكمال تعذيبهم آجلًا بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18] ؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام كان منه ما كان كقوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ، وكان من الله ما قال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] ، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله لنفسه جل جلاله {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [المائدة: 18] ، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [المائدة: 18] ، من أهل الكتاب بإخطاء النور في بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في العقبى {وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 18] ، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقوامًا مظهر صفات لطفه وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقوامًا مظهر صفات قهره وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] ، للفريقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت