فهرس الكتاب

الصفحة 1355 من 1648

{ح} [الجاثية: 1] ، يشير بالحاء إلى حياته وبالميم إلى مودته، كأنه قال: بحياتي ومودتي لأوليائي، لا شيء أحب علي من لقاء أحبائي، ولا أعز وأحب على أحبائي من لقائي، {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} [الجاثية: 2] ؛ أي: هذا الكتاب تنزيل {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] ، على أوليائه وأحبائه.

ثم أخبر: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الجاثية: 3] الصورية والمعنوية {لَآيَاتٍ} [الجاثية: 3] ، شواهد الربوبية لائحة، وأدلة الإلهية واضحة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] المحبين الذين صحا فكرتهم عن سكر الغفلة وجبت سيرهم في محال العبرة، وصفاء قلبهم عن دنس البشرية، وتجلي روحهم بإطلاق الربوبية؛ فحظوا بحقائق الوصلة.

وبقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] ، يشير إلى أن العبد إذا أمعن نظره في حسن استعداده ظاهرًا وباطنًا، وأنه خلق في أحسن تقويم يرى استواء قده وقامته وحسن صورته وسيرته واستكمال عقله وتمام تميزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكر فيما عداه من الدواب في أجزائها وأعضائها وأوصافها وطبائعها والتمييز والعلم، ثم وقف على اختصاصه، وامتياز بني آدم من بين البرية من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم ثم في الإيمان، ومن الملائكة في حمل الأمانة، وتعلم علم الأسماء، ووجوه لخصائص أهل الصفوة من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات والمخافيات وأنواع التجليات، وما صار به الإنسان خليفة الله ومسجود ملائكته المقربين، عرف تخصيصهم بمناقبهم وانفرادهم بفضائلهم؛ فاستيقن أن الله كرمهم، وعلى كثير من المخلوقات فضلهم، وإنهم محمولو العناية في بر الملك وبحر الملكوت.

وبقوله: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَّن رِّزْقٍ} [الجاثية: 5] ، يشير إلى اختلاف ليل البشرية ونهار الروحانية، وما أنزل الله تعالى من الواردات الربانية من سماء الأرواح، ومن غيث الرحمة رزقًا للقلوب؛ {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ} [الجاثية: 5] أرض القلوب {بَعْدَ مَوْتِهَا} [الجاثية: 5] ، عند استيلاء أوصاف البشرية عليها في أوان الولادة إلى حد البلاغة، إذا كانت محرومة عن غداء تعيش به، وهو أوامر الشريعة ونواهيها المودع فيها نور الإيمان، الذي هو حياة القلوب، {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} [الجاثية: 5] ، وهي رياح نفحات الحق تعالى {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5] ، التعرض لنفحات ألطاف الحق.

وفيه إشارة أخرى: أن الله تعالى جعل العلوم الدينية كسبية مصححة بالدلائل، وموهبية محققة بالشواهد؛ فمن لم يستبصر بهما زلت قدمه عن الصراط، ووقع في عذاب الجحيم، فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد وفي الآخرة في الوعيد بالتخليد.

وبقوله: {تَلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6] ، يشير إلى أن الإيمان الحقيقي لا يمكن حصوله في القلوب إلا بالله وكتابته في القلول، وبإراءته المؤمنين آياته، وإلا فلا يحصل بالدلائل المنطقية ولا بالبراهين العقلية؛ فافهم جدًّا.

{وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} [الجاثية: 7] مكذب {أَثِيمٍ} [الجاثية: 7] معرض عن الحق، {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ} [الجاثية: 8] ، في الظاهر؛ إذ {تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ} [الجاثية: 8] ، على الإنكار والجحود {مُسْتَكْبِرًا} [الجاثية: 8] ، عن قبول الحق، يسمع الباطن {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} [الجاثية: 8] ، فمن استمع باستماع الحق والفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدى لعز المنزلين، ومن تصامم بحكم الخذلان والغفلة؛ {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: 8] بوقوعه في وهدة الجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت