فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 1648

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71] ، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده {هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة: 120] ، من يهدي فلا مضل له و {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186] ، ثم قال تعالى: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] ؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: {وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .

ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ} [آل عمران: 72] ، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزًا في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالًا، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها"أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب وهي أخبارهم لأتباعهم: {آمِنُواْ بِِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 72] ، {وَجْهَ النَّهَارِ} [آل عمران: 72] ، مكرًا وخداعًا {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] ؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسدًا على ما أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين:

أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم.

والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73] ؛ أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسدًا من عند أنفسهم، فقال تعالى زعمًا لا فهمًا وردًا على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [آل عمران: 73] ، إن الهدى الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلًا ورحمة، كما هداكم به، وما {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ} [آل عمران: 73] ، من أهل الملل والأديان {مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} [آل عمران: 73] ، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ، {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 73] ، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 73] ، يا محمد {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} [آل عمران: 73] ، عطاءه {عَلِيمٌ} [آل عمران: 72] ، بمستحق عطائه، وأهل رحمته {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 74] ، مشيئة أزلية {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74] ، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت