فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 1648

ثم أخبر عن جده في الطلب واتباعه للسبب بقوله: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْرًا} [الكهف: 89 - 90] إشارة إلى أن هذا العالم عالم الأسباب لم يبلغ أحد إلى شيء من الأشياء، ولا إلى مقصد من المقاصد إلا أن مكنه الله تعالى، وأتاه سبب بلاغ ذلك الشي والمقصد، ووفقه لاتباع ذلك السبب، فباتباع السبب بلغ ذة القرنين مغرب الشمس ومطلعها.

وبقوله: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف: 91] يشير إلى أنه كما أتيناه من كل شيء سببًا؛ ليبلغ به إلى ذلك الشيء، كذلك أتيناه علم سبب الذي يبلغ بين السدين، {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89] أي: ذلك السبب. {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93] .

فإن قيل: فكيف أخبر عنهم؟ إنهم {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} .

ثم قال: {قَالُواْ يهَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94] قلنا: كلمة كاد: ليست لوقوع الفعل كقوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم: 90] أي: قربت لانفطار فلم تنفطر، وإذا دخل فيها لا الجحود دومًا النفي يكون لوقوع الفعل كقوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] أي: قرب ألاَّ يذبحوها فذبحوها، وكذلك قوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93] أي: قرب ألاَّ يفقهون قولًا يلين به قلب ذي القرنين؛ ليجعل لهم السد ففقهوا بإلهام الحق تعالى: {قَالُواْ يهَذَا الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 94] والذي يدل على هذا قوله تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95] أي: أعطاني الله من التمكين في قبول الخير والعمل به خير من تجرد قولكم.

{فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] من ترتيب الآلات لا بالقول، {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95] ففسر القوة بقوله: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 96 - 97] .

وفي قوله: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98] دلالة على نبوته، فإنه أخبر عن وعد الحق تعالى، وتحقق وعده وهذا من شأن الأنبياء وإعجازهم، والله أعلم.

ثم اعلم أن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل لوجود كل شيء سببًا من أسباب السماوات والأرض، ولبلوغ كل أحد إلى مقام من مقامات الدنيا والآخرة، وإلى قربة من قربات الحضرة سببًا مناسبًا له، فإذا أراد بلوغ أحد إلى مقام أو قربة يؤتيه سبب ذلك، ويوفقه لإتباع ذلك السبب، فكما أتى لذي القرنين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت