فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 1648

وبقوله قال: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8] يشير إلى أن أسباب حصول الولد منفية من الوالدين بالعقر والكبر وهي من السنة الإلهية، فإن من السنة أن يجعله يخلق الله الشيء من الشيء كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185] ومن القدرة أنه تعالى يخلق الشيء من لا شيء، فقوله: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [مريم: 8] أمن السنة أو من القدرة. فأجابه الله تعالى بقوله: {قَالَ كَذلِكَ} [مريم: 9] أي: الأمر لا يخلو من السنة أو القدرة؟

وفي قوله: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 9] إشارة إلى أن كلا الأمرين عليَّ هين إن شئت أخلق لك من لا شيء بالقدرة، كما {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] أي: خلقت روحك من قبل جسدك من لا شيء بأمر كن، ولهذا قال تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] وهو أول مقدور تعلقت القدرة به.

واعلم أن من قوله تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [مريم: 3] إلى تمام الآيات إشارة أخرى وهي: إن زكريا الروح نادى ربه {نِدَآءً خَفِيًّا} [مريم: 3] سر الس. {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] أي: شيب صفات البشرية {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ} [مريم: 4] بموهبة الولد {رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} [مريم: 4 - 5] أي: صفات النفس أن تغلب وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى {وَكَانَتِ امْرَأَتِي} [مريم: 5] أي: الجثة الجسدانية التي هي زوجة الروح {عَاقِرًا} [مريم: 5] أي: لا يلد إلا بموهبة من الله، {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني، فإنه ولي الروح والنفس التي هي أعدى عدوة. {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 6] أي: يتصف بصفة الروح وجميع الروحانيات. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 6] أن تعطيه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره، قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} {يَا زَكَرِيَّا} [مريم: 7] الروح {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} [مريم: 7] وهو القلب {اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم: 7] بإحياء الله إياه بنوره كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} [الأنعام: 122] فيه إشارة إلى أن من لم يحييه الله ولم يجعل له نورًا فهو ميت، قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7] أي: موصوفًا بصفة لا من الحيوانات ولا من الملائكة قبله وهي قبول فيض الألوهية بلا واسطة كما قال تعالى:"لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"ألا وهي سر حمل الأمانة التي ضاق أهل السماوات والأرض عند حملها.

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [مريم: 8] أي: قلب بهذه الصفة. {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ} [مريم: 8] أي: بطول زمان التعلق بالقالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت