فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1648

ثم أخبر أن الاجتناب عن الكبائر المنهي عنها بقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31] ، يوجب تكفير الصغائر، لقوله تعالى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] ، وعند انتفاء الصغائر والكبائر يمكن الدخول في المدخل الكريم وهو حضرة أكرم الأكرمين، لقوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"، وتفاصيل الكلام مر ذكرها وإن جملتها مندرجة في ثلاثة أشياء:

إحداها: إتباع الهوى، فقد يقع الإنسان به في جملة من الكبائر، مثل: البدعة والضلالة، والارتداد والشبهة، وطلب الشهوات واللذات، والتمتعات وحظوظ الأنفس بترك الصلاة والطاعات كلها، وعقوق الوالدين، وقطع الرحم، وقذف المحصنات وأمثالها، ولهذا قال: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] ، وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] ، وأهله الله على علم.

وقال صلى الله عليه وسلم:"ما عُبد إلهٌ في الأرض أبغض على الله من الهوى".

وثانيها: حب الدنيا، فإنها مظنة كثيرة من الكبائر مثل: القتل والظلم والغضب، والنهب والسرقة، والربا وأكل مال اليتيم، ومنع الزكاة، وشهادة الزور وكتمانها، واليمين الغموس، والحيف في الوصية وغيرها، واستحلال الحرام ونقض العهد وأمثاله، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] ، وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

وقال صلى الله عليه وسلم:"إن أكبر الكبائر الإشراك بالله".

وقال صلى الله عليه وسلم:"اليسير من الرياء شرك".

وقال المشايخ: وجودك ذنب، فمن تخلص عن ذنب وجوده فلا يرى غير الله، فلا ينشأ منه الشرك ولا حب الدنيا، ومن تخلص من الهوى فيتحقق له الوصول واللقاء، كقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًَا} [الكهف: 110] ، لعمري أن هذا هو المدخل الكريم، والفوز العظيم، والنعيم المقيم.

ثم أخبر أن نيل هذه المقامات والكرامات ليس بالتمني، بل بالجد والسعي بقوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} [النساء: 32] ، إشارة في الآيتين: أن ما فضل الله به بعض الإنسان على بعض من كمالات الدين ومراتب أهل اليقين لا تحصل بمجرد التمني، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ليس الدين بالتمني"، فقال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32] ، فإنه لا يحصل بالتمني، ولكن {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا} [النساء: 32] ؛ أي: الذين {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] والقائمين بأمر الله المجتهدين في طلب الله المعرضين عن غير الله، {نَصِيبٌ} [النساء: 32] مما جدوا في طلبه واجتهدوا حق الجهاد بالسعي الجميل والصبر الجزيل، يدل عليه قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت