فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 1648

ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215] ، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالًا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف إينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215] ، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] .

كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"أبدأ بنفسك ثم بمن تعول"على ترتيب الأمر {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 215] ، ثم جعل الخير عامًا، وقال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي روح كما قال: صلى الله عليه وسلم"في كل كبد حراء أجر" {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] أي: بالخير الذي تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم عليه بقدرات استحقاقكم.

ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] ، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] ؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا} [البقرة: 216] ؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا} [البقرة: 216] ، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216] ؛ أي شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} [القرة: 216] ، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال:

أَقَتلوني يا ثِقاتي ... إِنَّ في قَتلي حَياتي

ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة الشهر ولكن {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ} [البقرة: 217] ، وترك حرمة {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217] ، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة {وَالْفِتْنَةُ} [البقرة: 217] ، التي يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن استطاعوا أكبر وأعظم عند الله {مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] ، شر كفي الشهر الحرام {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} [البقرة: 217] ، فإنه {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 217] ، ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم {وَأُولَئِكَ} [البقرة: 217] ؛ يعني: أهل الفتنة: {أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] ، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون بالسعي في الترديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت