فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 1648

ثم أخبر عن سؤالهم من سوء حالهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187] إلى قوله: {يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] الإشارة فيها: أن الساعة عبارة عن: الساعة التي يظهر الله تعالى فيها آثار الصفة القهارية؛ لإفناء عالم الصورة وهو الملك ظاهر الكون كقوله تعالى: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] حين تطوى السماوات وتبدل الأرض ولا يبقى من الملك وأهله داعٍ ولا مجيب، فيجيب هو سبحانه ويقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] ، وفي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 187] دليل على أن للساعة ثقلًا من ظهور صفة القهر يضيق منها نطاق طاقة السماوات والأرض، وأنه مما استأثر الله به نفسه، وأنها هي الساعة التي يموت فيها الخلق؛ لأنه يقول: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} .

وفي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الأعراف: 187] معنى آخر من الإخفاء: وهو المنع، منعت علمها عنهم، ومنه في حديث خليفة كتبت إلى ابن عباس أن يكتب إلي ويخفي عني؛ أي: يمسك عني بعض ما عنده مما لا أحتمله وعطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فوق ثلاث فقال له: خفوت؛ أي: منعتنا أن نشمتك بعد الثلاثة، والخفو: المنع، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ} [الأعراف: 187] لا عندي، {وَلَكِنَّْ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] أن علمها عند الله وليس عندك، يدل عليه قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا} [الأعراف: 188] بمشيئة حادثة، {إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188] في الأزل بمشيئة القديمة أن يكون لي أو يملكني ما شاء لي تمليكه، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأعراف: 188] ؛ يعني: ولو كنت كذلك، {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْر} [الأعراف: 188] من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية والأحكام الإلهية، {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] ؛ أي: الموت والحاجات، {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} [الأعراف: 188] لمن كان حيًا بالحياة الحقيقية فيسمع كلامي وينتفع بإنذاري فيؤثر ما يبقى على ما يفنى، {وَبَشِيرٌ} [الأعراف: 188] بما فضل الله به على خواص عباده من الدرجات العلية المقامات السنية والكرامات والقربات، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] بها والسعي في تحصيلها، فإن الإيمان الحقيقي هو: السعي في طلب ما آمنوا به والإتيان بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه.

ثم أخبر عن الذي عنده علم الساعة بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] إلى قوله: {فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: 195] والإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ؛ تعريف نفسه بالخالقية والقادرية على أنه يخلق النفوس كلها من نفس واحدة وهي: نفس آدم عليه السلام، وفيه يشير إلى أن النفوس كما خلقت من نفس واحدة فكذلك الأرواح خلقت من روح واحدة وهو: روح محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هو أبا الأرواح كما كان آدم أبا البشر لقوله صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت