وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدًّا لكيلا تقع عن الصراط {فَإنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 239] ، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ففروا إلى الله {فَرِجَالًا} [البقرة: 239] ، على قدم العبودية {أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] ، على نجائب جذبات الربوبية فإنه قال تعالى:"من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا"فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، فإنك محمول العناية: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70] إشارة إلى أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم العبودية في طلب هداية الربوبية {فَإِذَآ أَمِنتُمْ} [البقرة: 239] ، من خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم} [البقرة: 239] ، في الفاتحة: {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239] ، بقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 5 - 6] ، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال:"يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه الآية بين وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل"حديث صحيح.
ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع زوجها أن تحفظ وفاء بعده بالعدة حولًا ولا تخرحه من بيته سنة إظهارًا للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: 111] ، وتحقيق قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] .
ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241] ، الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء والخروج عن مال الدنيا وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة:"أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي"، فيكون للطالب الملهوف متاعًا بالمعروف {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ} [البقرة: 242] يظهر الله: {لَكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة: 242] ، أصناف ألطاف وأوصاف إعطائه: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242] ، بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه.