ثم عمَّ الخطاب: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 71] وإن منكم من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا وهو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72] عن الهوى بقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة، وفيه نكتة لطيفة، وإشارة شريفة وهي: إنه تعالى أحال الورود إلى الوارد، وأحال النجاة إلى نفسه تعالى؛ يعني: إن كل وارد يرد بقدم الطبيعة في هاوية الهوى إن شاء وإن أبى ولو التجى إلى طبيعة لا ينجو منها أبدًا، ولكن ما نجا من نجا إلا بإنجاء الله تعالى إياه، ثم قال: {وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72] أي: ومن خلد في جهنم طبيعةً بقي فيها مكبًا على وجهه متوجهًا إلى أسفل السافلين.
ثم أخبر عن الطريقة للفريقين بقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [مريم: 73] إلى قوله: {مَّرَدًّا} [مريم: 76] ، بقوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [مريم: 73] .
يشير إلى أن أهل النار الإنكار وأهل العزة بالله إذا تتلى عليهم آياتنا بينات من الحقائق والأسرار {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [مريم: 73] أي: ستروا الحق بالإنكار والاستهزاء. {لِلَّذِينَ آمَنُوا} [مريم: 73] من أهل التحقيق إذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع أنفسهم، متحملين متواضعين متذللين متخاشعين، وهم متنعمون متمولون متكبرون مبتغون شهوات نفوسهم ضاحكون مستبشرون {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} [مريم: 73] منا ومنكم {خَيْرٌ مَّقَامًا} [مريم: 73] منزلة ومرتبة في الدنيا، ووجاهة عند الناس، وتوسعًا في المعيشة {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] مجلسًا ومنصبًا وحكمًا، كما قال تعالى جوابًا لهم: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} [مريم: 74] أي: أهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها إذا أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءْيًا} [مريم: 74] أي: هم أحسن استعداد واستحقاق للكمالات الدينية منكم كما قال صلى الله عليه وسلم:"خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا" {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ} [مريم: 75] ضلالة الإنكار واتباع الهوى {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] أي: فليهمله في غروره وحسبانه، ويدعه في غفلة عن أحوال أرباب القلوب وملوك الدين {حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ} [مريم: 75] وهو أن يميتهم الله على ما عاشوا فيه من الإنكار والغرور والغفلة {وَإِمَّا السَّاعَةَ} [مريم: 75] وهي أن يميتهم عن صفات نفوسهم بصواعق جذبات العناية، ويقيم عليهم قيامة الشوق والمحبة، ويحييهم حياة طيبة بنور الإيمان {فَسَيَعْلَمُونَ} [مريم: 75] في كلتي الحالتين. {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا} من الفريقين {وَأَضْعَفُ جُندًا} [مريم: 75] حين تحقق لهم أن فريقًا منهم هم حزب الله في الآخرة وحزب الشيطان {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا} [مريم: 76] والذين جاهدوا في طلب الهداية وسعوا، يزيد الله في هدايتهم بالإيمان {هُدًى} [مريم: 76] بالإيقان بل بالعيان لا بالبرهان {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا} [مريم: 76] وهي الأعمال الصالحات التي هي من نتائج الواردات الإلهية التي ترد من عند الله إلى قلوب أهل العيوب؛ أعني: كل عمل يصدر من عند نفس العبد من نتائج طبعه وعقله ما يكون من الباقيات، وإن كان من الصالحات؛ أي: على وفق الشرع، وما يكون من عند الله؛ أي: من نتائج مواهب الحق تعالى فهو من الباقيات الصالحات يدل عليه قوله تعالى: