فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 1648

ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] ، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه امتحانًا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به إليه وقطع النظر عنه، {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] ؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا} [آل عمران: 75] ، بمطالبة الحقوق منه إخبارًا {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} [آل عمران: 75] ، بسوء النفس وإلقاء الشيطان {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75] ، من مباشرة الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف والالتفات {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [آل عمران: 75] ، بهذه المقالة {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75] ، عن أنفسهم هذه المحالة، ويجترون على الله ويفترون.

{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ} [آل عمران: 76] ، من الله الذي دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، {وَاتَّقَى} [آل عمران: 76] ، عن غير الله بالله {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] به عن غيره.

واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] ، {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} [ص: 47] ، فافهم جيدًا.

ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77] ، إشارة في الآيتين: إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها هاهنا ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية {َأُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 77] ، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 77] ، تقريبًا وتكريمًا وتفهيمًا {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 77] ، بنظر العناية والرحمة فيرحمهم {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77] ، عن الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدًا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] ، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم.

{وَإِنَّ مِنْهُمْ} [آل عمران: 78] ، من مدعي أهل المعرفة {لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} [آل عمران: 78] ، بكلمات أهل المعرفة {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] ؛ أي: من أهل المعرفة {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] ، الذي كتب الله في قلوب العارفين، {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [آل عمران: 78] ، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] ولا يعلمون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت