فقال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} [الرعد: 1] أي: تلك الحروف من {المر} آيات الكتاب، وبها يقسم فبالألف منها يشير إلى قوله: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} [البقرة: 255] وباللام يشير إلى: قوله: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الشورى: 12] وبالراء إلى رسوله، واللهُ أعلم {وَِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد: 1] ، فمن القسم وجوابه أن الذي أنزل إليك من ربك من القرآن حق وصدق فمن اعتصم به، وهو حبل الله ينجيه من الأسفل الذي هبط إليه بقوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا} [البقرة: 38] ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بأن هذا القرآن حبل من الله يوصل المعتصم به إليه.
ثم قال تأكيدًا لإيمان أهل الإيمان به: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] يعني رفعها بالعمد، وهي القدرة والحكمة، ولكن ترونها أنها قائمة بها يعني الله الذي رفع السماوات بالقدرة والحكمة قادر على أن يوصل المعتصم بحبل القر آن إلى أعلى الدرجات، وأفضل القربات على أنه جل جلاله، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} بعد رفع السماوات من كمال قدرته وحكمته أي: غلبه بقدرته لتدبير المكونات {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [الرعد: 2] لمصالح العالم، وإظهار القدرة عليه {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} من آجال الخلق، والعالم بالإفناء والإحياء والإيجاد والإعدام {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أمر العالم، فهذا يدل على أن الاستواء لتدبير لا لتشبيه {يُفَصِّلُ الآيَاتِ} [الرعد: 2] التي تدل على كمال القدرة والحكمة {لَعَلَّكُمْ} بهذه الاستدلالات {بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ} [الرعد: 2] بالوصول إليه {تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] فتجاهدون في طلبه.
{وَهُوَ الَّذِي} من حسن تدبيره {مَدَّ الْأَرْضَ} [الرعد: 3] أرض البشرية {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} [الرعد: 3] أوصاف الروحانيات {وَأَنْهَارًا} [الرعد: 3] من مياه القدرة والحكمة، {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3] أي: مشاهدات روحانية ومكاشفات ربانية {يُغْشِى الَّيلَ النَّهَارَ} [الرعد: 3] أي: يغشي ليل أوصافه النفسانية منها أخلاق الروحانية {إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] في حقائق الأشياء، فيهتدون بها إلى معرفة مدبرها ومنشئها، {وَفِي الْأَرْضِ} [الرعد: 4] الإنسانية قطع من النفس والقلب والروح والسر والخفي {مُّتَجَاوِرَاتٌ} متقاربات بقرب الجوار مختلفات في الحقائق: فمنها: حيوانية، ومنها: ملكوتية، ومنها: روحانية، ومنها: جبروتية، ومنها: عظموتية.
{وَجَنَّاتٌ} وبالجنات يشير إلى هذه الأعيان المستعدة لقبول الفيض عند قبولها، وتثميرها {مِّنْ أَعْنَابٍ} وهي ثم النفس من الصفات ما يدل على الغفلة والحماقة والسهو واللهو، فإنها أصل السكر {وَزَرْعٌ} وهي ثمرة القلب، فإن القلب بمثابة الأرض الطيبة القابلة للزرع من بذر صفاته الروحانية والنفسانية، فيأتي بذر صفة من الصفات؛ إذا زرعت يتجوهر القلب بجوهر تلك الصفة؛ فتارة: يصير فظلمات النفس ظلمًا نبتًا، وتارة: يصير بنور الروح نوارنيًا، وتارة: يصير بنور الرب ربانيًا.