فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 1648

وفي قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} [الإسراء: 76 - 77] إشارة إلى أن من سنة الله تعالى على قانون الحكمة القديمة البالغة في تربية الربانية عن غش أوصافهم النفسانية الحيوانية.

كما قال تعالى: {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] ثم قال: {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 77] أي: تبديلًا؛ لأنها مبنية على الحكمة والمصلحة والإرادة القديمة.

ثم أخبر عن طريق خلاص الأنبياء والأولياء ورطة الابتلاء بقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] يشير إلى إدامة الصلاة بالقرب الحاضر من دلوك الشمس وهو طول النهار {إِلَى غَسَقِ الَّيلِ} [الإسراء: 78] وهو طول الليل {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78] أي: إلى صلاة الفجر يريد استدامة الليل والنهار بالحضور والتناجي مع الله، وهذه صلاة أخص الخواص الذين هم في صلاتهم دائمون.

ثم قال: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] يعني: من مراقب ليله ونهاره حاضرًا بقلبه مع الله يكون له عند الصباح شهود الشواهد الحق، بل الحق مشهود له.

ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم من أمته وسائر الأنبياء والرسل بزيادة فضيلة ينالها في إدامة الصلاة وصرح له صلاة الليل، فقال: {وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} [الإسراء: 79] أي: زيادة لك من دون سائر الخلق هذه الفضيلة، وهي قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79] والمحمود هو الله تعالى فيشير المقام المحمود إلى قيامة بالله لا بنفسه، ولهذا عبر عن المقام المحمود بالشفاعة؛ لأن الله تعالى قال: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] أي: قائمًا به ولما لم يكن دخول هذا المقام بكسب العبد كسائر المقامان وهو يتعلق بجذبة الحق فعلم النبي صلى الله عليه وسلم طريق تحصيل الجذبة على مقتضى قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .

بقوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] يشير إلى السير في الله بالله {وَأَخْرِجْنِي} [الإسراء: 80] من حولي وقوتي وأنانيتي {مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] بأن يخرجني منك بك {وَاجْعَلْ لِّي مِن لَّدُنْكَ} [الإسراء: 80] أي: منك لا من غيرك {سُلْطَانًا نَّصِيرًا} [الإسراء: 80] بتجلي صفات جمالك، وفي الآية دليل على أن لكل ذي مقام لا يصل إلى مقام إلا بسعي ملائم لذلك، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] أي: سعيًا يلائم وصول درجات الجنان.

وروي أن"رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"أو غير ذلك"قال الرجل:"بل مرافقتك في الجنة"، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم:"فأعني بكثرة السجود"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت