ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] ، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] ، أعواني في الله {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} [آل عمران: 52] ؛ يعني: القلب وصفاته {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52] ؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق {آمَنَّا بِاللَّهِ} [آل عمران: 52] ؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] ؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ} [آل عمران: 53] ، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} [آل عمران: 53] ، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك {فَاكْتُبْنَا} [آل عمران: 53] ، فاجعلنا {مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53] ، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك {وَمَكَرُواْ} [آل عمران: 54] ؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح {وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] ، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] ، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها.
ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبًا وهو المتوفى بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] ، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إليَّ بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] ، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 55] ؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} [آل عمران: 55] ، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، {فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55] ، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء ربًا وابن الله، {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} [آل عمران: 55] ، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55] ، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى.
{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 56] ، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا} [آل عمران: 56] ، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، {وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 56] ، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 56] ، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.