فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 1648

ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذًا بالحقائق بقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] إلى قوله: {تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] .

الإشارة فيها: إنه تعالى لمَّا رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين يديه، فقال: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} ، والتضرع: ما يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعًا بالجوارح وخفية بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعًا قيمًا بأداء حق العبودية وخفية بمطالعة حرق الربوبية، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه والرضا بما سواه، {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 56] في أرض القلوب، {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56] ؛ أي: بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق.

ويقال: من إفساد القلوب بعد أصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56] ؛ أي: لا تدعوا أحدًا غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضًا {وَادْعُوهُ خَوْفًا} من الانقطاع، {وَطَمَعًا} في الاصطناع، وأيضًا: خوفًا من الاثنينية، وطمعًا في الوحدة.

{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ} [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، {قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] الذي يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعًا فيه لا منه، {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] ؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، {حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: 57] ؛ أي: كل قلب ميت، {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ} [الأعراف: 57] المحبة، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 57] ؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، {كَذلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى} [الأعراف: 57] ؛ موتى القلوب من قبور الصدور، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] ؛ أي: تذكَّروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس.

ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122] ؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، {وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [الأعراف: 58] ، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها ألاَّ الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حيًا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كا هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، وإن كان القلب ميتًا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها.

{كَذلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} [الأعراف: 58] ؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] ؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت