{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] أي: أحاط بأنواع شهواها الهلاك والفساد {فَأَصْبَحَ} [الكهف: 42] أي: النفس يوم القيامة {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} [الكهف: 42] حسرة وندامة {عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} [الكهف: 42] من العمر والاستعداد لقبول الكمال، {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف: 42] أي: جنة الدنيا ساقطة خالية عما فيها {وَيَقُولُ} [الكهف: 42] النفس {يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42] أي: لم أشرك بعبادة ربي عبادة الهوى والدنيا {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ} [الكهف: 43] صفات وأخلاق حميدة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ} [الكهف: 42] أي: يدفعون عنه عذاب الله {وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} [الكهف: 43] ممتنًا من العذاب {هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف: 44] أي: الحق مع أهل ولاية الله يومئذٍ إذ لم يشركوا بعبادة الله الهوى، ولم يتخذوا من دون الله وليًا وما أنفقوا عمرهم في طلب غير الله وما صرفوا حسن استعدادهم إلا لقبول فيض الله بلا واسطة {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا} [الكهف: 44] لأهل ولايته من ثواب أهل الدنيا وثواب أهل الآخرة {وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف: 44] لهم إذ صاروا إلى الله إذ صار أهل الجنة وأهل النار إلى النار فافهم جدًّا.
ثم أخبر عن حال الفانيات والباقيات بقوله تعالى: {وَاضْرِبْْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} [الكهف: 45] يشير إلى أن الماء هو الروح العلوي الذي أنزله إلى أرض الجسد، {فَاخْتَلَطَ بِهِ} بالروح {نَبَاتُ الْأَرْضِ} [الكهف: 45] وهي الأخلاق الذميمة النفسانية، فإن اتصف الروح العلوي بالخذلان أي: أرض النفس ونبات صفاتها حتى يختلط بها فإنه يتطبع بطبع النفس السفلية ويتصف بصفاتها ويتخلق بأخلاقها، {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا} [الكهف: 45] قد تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية الحميدة بجذب هواء الطبيعة {تَذْرُوهُ الرِّياحُ} [الكهف: 45] أي: تفرقه رياح الأهوية المختلفة حتى أهلكته في وادٍ من الأودية السفلية وهذا تحقيق قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ} [التين: 4] أي: الروح الإنساني {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 4 - 5] وقوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2] إذا أخلي إلى طبيعته الإنسانية فأما الذي أدركته العناية الأزلية بعد تعلق الروح بالحب كتعلق الماء بالأرض فيبعث الله إليه لنفسه دهقان من دهاقين الأنبياء والأولياء معه بذر الإيمان والتوحيد؛ ليلقيه بيد الدعوة وتبليغ الرسالة في أرض نفسه فيقع منها في تربة طيبة وهي القلب كما ضرب الله تعالى: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] .
وكقوله: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58] فينبت عن بذر التوحيد وهي كلمة لا إله إلا الله شجرة الإيمان بماء الشريعة فتعلو به الروح من أسفل الإنسانية إلى أعلى الدرجات الروحانية وأقرب منازل قربات الربانية كقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}