ثم أخبر عن كمال قدرته إظهارًا لعزته بقوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 63] ، يشير إلى أن له مفاتيح خزائن لطفه وهي مكتوبة في سماوات القلوب، وله مفاتيح خزائن قهره وهي مودعة في أرض النفوس؛ يعني: لا يُملِّك لأحد مفاتيح خزائن لطفه وقهره إلا هو، وهو الفتاح وبيده المفتاح يفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فيخرج ينابيع الحكمة منه وجواهر الأخلاق الحسنة، ويفتح على من يشاء أبواب خزائن قهره في نفسه فيخرج عيون المكر والخداع والحيل منها وفنون الأوصاف الذميمة؛ ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم"مفتاح القلوب لا إله إلا الله"، وكما سأله عثمان رضي الله عنه عن تفسير مقاليد السماوات والأرض قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، كما مر ذكره، {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ َأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الزمر: 63] ، يعني: بأنهم فتحوا أبواب نفوسهم بمفتاح الكفر والنفاق.
{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] عن فضله في حقي، فإنه بتوحيده ربَّني، وبتفريده عذاني، وبشراب حبه سقاني.
وبقوله: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] ، يشير إلى أن الإنسان ولو كان نبيًا لئن وكل إلى نفسه ليفتحن بمفتاح الشرك والرياء أبواب خزائن قهر الله على نفسه، وليحبطن عمله بأن يلاحظ غير الله بنظر المحبة، ويثبت معه في الإبداع سواه، وليكونن من جملة المشركين الخاسرين، وفيه دقيقة لطيفة وهي أن الله تعالى قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، أي: من مكاسبك؛ ولكن لا يحبط من مواهبي شيء؛ يعني النبوة والرسالة من مواهبي لا تبطلها مكاسبك كما لا تحصلها {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 66] ، بأنه كونك نبيًا مرسلًا بفضله وكرمه لا بسعيك وعملك.
{وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ} [الزمر: 67] ما عرفوه حق معرفته، وما وصفوه حق وصفه، وما عظموه حق تعظيمه، فمن وصف بتمثيل أو جنح إلى تعطيل حاد عن السنن المثلى، وانحرف على طريقة الحسنى، ووصفوا الحق بالأعضاء، وتوهموا في نعمته إلا جزاء مما قدروه {حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] ، فمذهبي في تحقيق هذه الآية أن أجري على ما أراد الله تحقيقها فلا أفسرها ولا أُؤلها من المتشابهات فلا مساغ لها إلا الإيمان بها، كما قال تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] أي: نؤمن به ولا نفسره ولا نؤوله، فأما أرباب الحقائق والإشارات وأن يريهم الله تعالى حقيقة بعض المتشابهات، فالعلاج في هذا الزمان ألاَّ يفشو أسرار الحق تعالى بالكتابة، اللهم إلا أن يجدوا مريدًا صادقًا مستعدًا لقبول هذا الفيض بلا تعصب منزهًا عن شوائب الهوى؛ لئلا يقع في فتنة؛ ولهذا المعنى نزه الله ذاته وصفاته عن فهم المفسرين ووصف المتأولين فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] ؛ أي: بصفات المخلوقين.