يا طالب معرفة الواقعة الرافعة، اعلم أن الواقعة اسم لقيامة الروح، كما أن الآزفة اسم لقيامة الخفي، والحاقة لقيامة السر، والساعة لقيامة القلب، والواقعة إذا وقعت ترفع صاحبها طورًا وتخفض طورًا، وتسير من هواها {الْجِبَالُ سَيْرًا} [الطور: 10] ، وتمور الأرض مورًا، وتفور نيران الشوق والعشق من هبوب رياح اللطف من شمال الجمال فورًا، وتشتعل نيران الشدة والغيرة من نفخ ريح سموم الجلال اشتعالًا، وتفجر حينًا أنهار المعرفة تفجيرًا، وتجعل ماء الحكمة غورًا.
واقرأ سورة الواقعة من كتاب الحق حيث يقول: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 1 - 2] متدبرًا؛ لتفهم أن الواقعة أمر جزم لاشك في وقوعها، والسالك إذا اشتغل بالسلوك والتصفية ووصل ذكره إلى الروح يشاهد الواقعة وهي في البداية، مثل ستر أسود يجيء من فوق الرأس عند غلبة الذكر، وكلما تدبر في النزول يقع على الذكر هيبة وسكينة، وربما في البداية يغمى عليه، فأما في الوسط فإذا نزل برأسه حتى يقع على عينيه يشاهد عوالم الغيب وما فيه كما شاء الله أن يريه في تلك الواقعة، ويكشف عليه العلوم الروحانية في تلك الوقاعة، ويرى السالك عجائب وغرائب ما لا يعد ولا يحصى، فإذا أفاق من واقعته يكون كالحيوان يحكها السلكة، ويرشده مسلكه إلى ما فيه مصلحة وقته، ويصير ما هو مناسب لحوصلته، ويقوى قلبه ويأمره بالذكر والتوجه الكلي حتى يصفو سر الواقعة فيكون سرًا منورًا، فكلما ينزل يجد السالك منها طمأنينة وذوقًا، وربما يصل إلى حد حتى أن السالك بعد نزولها يفتح عينه في عالم الشهادة ويشاهد مآله في الواقعة؛ وهي حالة سنية معتبرة عند أرباب السلوك.
{لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} [الواقعة: 2] ، بل هي صادقة؛ لأن الشيطان يفر من ظل الواقعة، ولا تقدر النفس أن تشكل صاحب الواقعة أصلًا؛ لأنها أظهر من أن يمكن للنفس والشيطان أن يلبسا حالها على السالك، وعندي أنها حالة حقيقة؛ وهي النقطة الحقيقة، والذي تشاهده في عالم الشهادة بالنسبة إليها حالة النوم، وفي الحقيقة كل ما يشاهده في العالم الخيالي لا حقيقة له؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا"فكن أيها النائم في نومك على حذر من حقائق الحيات والعقارب المنبثة بصور أفلاكك لكن تنتبه فتشكر الله على أنك خلصت من النوم، ولا تتنعم بصورها المزينة المزخرفة الدنيوية، لكن تنتبه بحزنك الانتباه لما رأيت الصورة المزينة الملتبسة في النوم، ولا بد من الانتباه من مشاهدة حقائق الصور المكتسبة بالأخلاق والصفات، فاجتهد في أن تجد بصرك وتكشف غطاءك في اليوم لتشاهد حقائق الصور؛ لئلا تلتفت إلى الصور المزخرفة، وتشاهد وراء الصور حقائق المعاني العقربية والنارية، والحطمة في صورة مزينة بالشهوات؛ ليتيقن بها أطفال الطيبعة وجهال قوى القالبية والنفسية، ويعاين في الصور الهائلة المزخرفة الدنيوية حقائق الحورية والخلدية والنعم الباقية، لكن يتنبه بشكر الله على خلاصك من الصور الهائلة، ووصولك إلى حقائقها وتنعمك بها أبد الآباد؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: