أيتها اللطيفة الخفية، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] مفردات لطائفك أولًا، {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] ؛ أي: خلق ثانيًا حقيقة إنسانيتك عند خلق المفردات بعضها ببعض ليصل إليها ضوء نور اسم ربك؛ لكي تشرق به أرض قالبك.
{اقْرَأْ} [العلق: 3] بالقوة التي أودعناها في اسمك الأحمدي الذي هو مظهر اسمنا الأحدي، {وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 3 - 4] ؟
وهو أول موجود أوجده الله في مرتبة الفاعلية، وهذه إشارة ترد على اللطيفة المتخلقة من ظلمات القالب، ويظهر على السالك بعد هذا الأمر العلم اللدني، فإذا أدى حق هذه المقام في السجود يعطى له العلم المجهول في مقام الاقتراب، وهو مقام يرفع الحجاب فيه بين الأرباب الباطلة المتفرقة ورب الأرباب، يسجدوا له ويؤمنوا به ويقولوا: نحن التراب وأنت رب الأرباب، وفي هذا البيان سر عزيز يتعلق بحد القرآن الذي لا يمكن لقلم البيان التجاوز عنه؛ لأنه مأمور بأن يمد عين البيان في ميدانه.
{عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] من تفاصيل علم الأسماء، ومحاضر الصفاء، ومصادر الأفعال، ومظاهر الآثار.
{كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] ؛ يعني: حقًا إن الإنسان إذا أراه مستغنيًا بالقوى والآلات والأدوات التي أعطيناها ليكتسب بها علم التفاصيل، {لَيَطْغَى} [العلق: 6] ويعصي ربه بتلك الآلات والأدوات واستعمالها بغير حقها؛ ليكتسب اللذائذ العاجلة الشهوانية ويتمتع بها، ونسيانه بأن رجوعه إلى ربه كما يقول: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8] ؛ يعني: مرجع كل اللطائف إلى رب الحق، فكل لطيفة أثقلت بالباطل ظهرها فهي معذبة وقت الرجوع.
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] لكي يخفف نور اسم ربك ظهرك على ظلمة الباطل، كما أشرنا إليها من قبل.
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 - 10] ؛ يعني: أرأيت القوى القالبية والنفسية إن تنهى لطيفتها التي توجهت إلى لطيفتها الخفية.