فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 1648

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ} [التوبة: 55] يعني: أصحاب النفوس المتمردة، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} [التوبة: 55] بتلك الأموال والأولاد، {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة: 55] أي: في مدة العمر يعذبهم بها أن يشغلهم بها ويلهيهم عن ذكر الله وطاعته ومحبته وطلبه بذكرها ومحبتها وطلبها، كما قال تعالى: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ} يدل على أن الله تعالى يريد الكفر للكافرين، وألاَّ يرضى الكفر كما قال تعالى: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] والكافر كافران: كافر يجحد المنعم، وكافر يجحد النعمة.

{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 56] يعني: النفس وصفاتها مع الروح والقلب والسر عند استيلائهم عليها والظفر بها، {وَمَا هُم مِّنكُمْ} [التوبة: 56] في أصل الخلقة والجبلة يعني: على سجيتكم وسيرتكم، {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} [التوبة: 56] لأن منشأكم عالم الأمر والأرواح ومنشأهم عالم الخلق والأشباح.

{وَلَكِنَّْهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56] من سطوات قهركم عند غلبات الأنوار الروحانية، فإن النفس وصفاتها لما انعكست عليها أنواع الفيض الرباني عن مرآة القلب انكسرت ظلمة طبيعتها وانخمدت نار شهواتها، فتفزع من فنائها وهلاكها بالكلية، فتلتجئ إلى الروح والقلب والسر وتخدعهم بالحلف كما خدع إبليس آدم وحواء بالحلف كقوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] ، فتريد النفس أن تدلي الروح والقلب بغرور، {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} يعني: في الطاعة، {لَوْ يَجِدُونَ} [التوبة: 57] يعني: النفس وصفاتها، {مَلْجَئًا} [التوبة: 57] أي: مهربًا ومفرًّا، {أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا} [التوبة: 57] يتخلصون بها عن استيلاء الروح وصفاتها، {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 57] عن الانقياد والعبودية.

ثم أخبر عن الرضا بالعطاء والرضا بما قضى المولى بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58] الآيتان تشير الأولى إلى النفاق وأهله بأن رضا المنافق وسخطه في إعطاء الدنيا ومتاعها وفي المنع عنها؛ لأن النفاق تزيين الظاهر بأركان الإسلام، وتعطيل الباطن عن أنوار الإيمان، والقلب العطل عن نور الإيمان يكون مزينًا له بظلمة الكفر وحب الدنيا، فلا يرضى إلا بوجدان الدنيا ويسخط بفقدها.

{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] يشير إلى أن الرضا بالقضاء من أمارات الإيمان وتزيين القلب بنوره، فلما حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم شاهدوا بنور الإيمان شواهد الحق، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ} [التوبة: 59] فإن الله كافٍ لعبده، ومن وجد الله فقد ما دونه؛ لأن فقدان الله في وجدان ما سواه، ووجدانه في فقدان ما سواه، ومن وجده يرضى به ويقول: {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] من الوحي والبيان والدلائل والبرهان، {إِنَّآ إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] لا إلى الدنيا والعقبى وما فيها غير المولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت