فهرس الكتاب

الصفحة 1144 من 1648

ثم أخبر عن الإنسان الناسي ذكر الله الموكول إلى طبعه بقوله: {وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} [الروم: 36] في صورة نعمة الدنيا أو شهوة النفس والهوى {فَرِحُواْ بِهَا} [الروم: 36] وغرتهم الحياة الدنيا وأعرضوا عن عبودية المولى.

{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [الروم: 36] شدة وضيق في حظوظ النفوس وفوات ملائم الطبع والهوى بشؤم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من مخالفات أمر المولى، {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} من رحمة المولى ولا يرجعون عن متابعة الهوى، وليس هذا من دأب المحبوبين وليس هذا من دأب المحبين ولا من دأب المريدين، قال الله تعالى في وصفهم {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} [الحديد: 23] .

ثم قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم: 37] والإشارة فيه أن لا يعلق العبد قلبه إلا بالله؛ لأن ما يسوءه ليس زواله إلا من الله، وما يسره ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي سَرَّه ويؤنسه من وجوده، والقبض الذي يسوءه ويوحشه منه حصوله، فالواجب لزوم حقوقه بالإسرار وقطع الأفكار من الأغيار.

وبقوله تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الروم: 38] يشير إلى أن القرابة على قسمين: قرابة النسب، وقرابة الدِّين.

فقرابة الدين: أمس بالمواساة والمراعاة أحق وهم الإخوان في الله والأولاد من طلب الولاية من أهل الإرادة الذين تمسكوا بأذيال الأكابر منقطعين إلى الله مشتغلين بطلب الله متجردين عن الدنيا غير مستفرغين للمعيشة، فالواجب على الأغنياء بالله القيام بأداء حقوقهم فيها يكون لهم عرف على الاشتغال بموجب الطلب بفراغ القلب.

{وَالْمِسْكِينَ} من يكون محرومًا عن صدق الطلب وهو من أهل الطاعة والعبادة أو طالب العلم فمعاونته بقدر الإمكان وحسب الحال واجبة.

{وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر فحقه القيام بشأنه بحكم الوقت فمن تكون همته الطلب أعلى فهو من أقارب ذوي القربى وبإيثار الوقت عليه أولى فحقه آكد وتفقده أوجب، {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38] بسعادة الدارين وسيادتها.

{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّبًا} [الروم: 39] أي بغير واجب عليكم من الإنفاق على الأغنياء لاستمالة قلوبهم واصطيادها، {لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} [الروم: 39] بأن يستجلب منهم بالاستعطاف {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ} إن لم يكن لوجه الله، وبقوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} [الروم: 39] يشير إلى إنفاق المال في سبيل الله تزكية للنفس عن لوث حب الدنيا كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه تجرد عن ماله تزكية لنفسه.

كما أخبر الله تعالى عن حاله بقوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت