فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 1648

ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى: {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44] يعني أرجعنا إلدنيا {أَخِّرْنَآ} لنطيعك {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} كما أخرتنا وألبستنا لازدياد الإثم بمعاصيك في الدنيا.

ثم أجابهم بقوله: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} يشير به إلى المناسخة فإنهم يزعمون ألاّ زوال لهم في الدنيا ولا أحد منهم إذا مات ينقل روحه إلى قالب آخر فأرادوا بهذا الجواب أن لو رجعناكم إلى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما أقسمتم من قبل على ما لكم من زوال.

{وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [إبراهيم: 45] أي: أقمتم مقامات الظالمين على أنفسهم في السير على قدمي الظلم والمعاصي إلى منازل الأشقياء {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ} أي: بعد أن تبين لكم {كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي: بالأشقياء حين نزلهم منازلهم وشاهدتم أحوالهم {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} يشير إلى أن الحقائق والمعاني الغيبية لا تتبين إلا بالأمثال كقوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} [النحل: 75] .

{وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] أي: إن كان مكرهم هذا الأمر لا يقدر بشر إلا بإذن الله {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] في جزاء أهل المكر {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} في ذاته لا يهدي إليه كل ماكر {ذُو انْتِقَامٍ} لأهل المكر حيث ينتقم منهم على قدر مكرهم.

{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] أي: نبدل أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب وتبدل السماوات بالأسرار بسماوات الأرواح، فإن شموس الأحوال إذا تجلت على كواكب الأسرار أفنت تحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عند إشراق تجلي أنوار الربوبية بحقائق أنوار الوجود الحقيقي.

كما قال: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] {وَبَرَزُواْ} عن الوجود المجازي {لِلَّهِ الْوَاحِدِ} أي: لله ووحدانيته {الْقَهَّارِ} لا يعجزه ما سواه فإن شموس الأرواح عند تجلي نور الألوهية تمحى بسطوته كما تمحى الكوكب عند تجلي شموس الأفلاك والأرواح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت