{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 57] ، واختاروا الحق على الباطل {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [آل عمران: 57] ، اتبعوا عن طريق الهدى، ونهوا {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] ، {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 57] عن جنة المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57] ، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله.
{ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} [آل عمران: 58] ؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ عيسى عليه السلام وقومه {مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 58] ، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] .
{الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] ، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ} [الطارق: 6 - 7] ، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارًا لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقًا للعادة؛ ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد {فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] ، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيًا عن شك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: {فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] ، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من الممترين، ولا يكون إلى الأبد.
{فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} [آل عمران: 61] ، جاد لك في أم عيسى أنه ليس بعبد مخلوق، {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران: 61] ، بحقيقة حاله {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] ، وحيًا وكشفًا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم.