فهرس الكتاب

الصفحة 1174 من 1648

ومن قوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} [الأحزاب: 12] إلى قوله: {ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} [الأحزاب: 14] ، وتمام الآية: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيرًا} [الأحزاب: 12 - 14] يشير إلى مرض القلوب وصحة النفوس وجأشهما إذا وكلتا إلى حالتيهما من فساد الاعتقاد وسوء الظن بالله ورسوله ونقض العهود والاغترار بتسويلات الشياطين والفرار من معادن الصدق والتمسك بالحيل والمكائد والكذب والتعلل بالأعذار الواهية، فغلبات الخوف البشرية والجبانة وقلة اليقين والصبر وكثرة الريب والجزع، وعند احتمال خطر الأذية لو سئلوا الارتداد عن الإسلام والإشراك بعد الإقرار بالتوحيد أجابوهم وجاءوا به {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} [الأحزاب: 14] يعني في الاحتراز عن الوقوع في الفتنة {إِلاَّ يَسِيرًا} [الأحزاب: 14] بل أسرعوا في إجابتها لاستيلاء أوصاف النفوس وغلباتها وبصدأ القلوب وهجوم غفلاتها.

ثم أخبر عن نقض العهود لوهن العقول بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 15] يشير إلى مدعي الطلب، فإنهم يعاهدون الله من قبل الشروع في الطلب أنهم {لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ} [الأحزاب: 15] عن المحاربة مع الشيطان وعند الجهاد مع النفس، فلما شرعوا في الحرب والجهاد مع أحزاب النفس والشيطان، وقد حمل كل حزب منهم أسلحتهم وأخذوا خدعات الحرب ومكائده، وهم الشجعان والأقوياء والأبطال المجربون وعساكر طلاب القلوب المرضى، وهم بعد إغمار غير مجربي الحروب والقتال وإن كان لهم الأسلحة ولكنهم بمعزل عن استعمالهم لضعفهم وعدم العلم بكيفية الاستعمال، فإذا قام الحرب ودام الضرب، غلب الأقوياء على الضعفاء وتنهزم المرضى عن الأصحاء، فلم يشد أزرهم الصدق ولم يعاونهم العشق ولم يذكروا حقيقة قوله: {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [الأحزاب: 15] ، ولا يتفكروا في قوله: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ} [الأحزاب: 16] أيها الطالبون: إن فررتم وإن تفروا إلى الله لينفعكم، فإن الفرار من الموت أو القتل أو موت النفس وقتلها بالمجاهدة لا ينفع عند نزول الآجال، وإن لم تأتهم الآجال فهي من غاية الشقاوة، وإذا لا تمتعون كالبهائم والأنعام في رياض الدنيا إلا قليلًا ولا نهاية لتلك الشقاوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت