فهرس الكتاب

الصفحة 975 من 1648

ثم أخبر عن إعزاز أهل الإعجاز وإذلال أهل الضلالة بقوله تعالى: {قَالُواْ يَا مُوسَى} [طه: 65] إلى قوله: {وَذلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى} [طه: 76] يشير إلى أن السحرة لمَّا أمروا موسى بالتقديم والتأخير في الإلقاء إذ {قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [طه: 65] أعزهم الله بالإيمان الحقيقي حتى رأوا بنور الإيمان معجزة موسى فآمنوا به تحقيقًا لا تقليدًا، وهذا حقيقة قوله تعالى:"من تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا".

فلمَّا تقربوا إلى الله بإعزاز من أعزه الله أعزهم الله بالإيمان تقربًا إليهم ذراعًا، فكذلك أعزهم موسى بالتقديم في الإلقاء وقال: {بَلْ أَلْقُواْ} [طه: 66] وتقرب به إلى الله {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] أي: ما كان لها تسعى على الحقيقة بل بالتخيل، وكانت تسعى عصى موصى بالحقيقة كقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20] .

وبقوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 67] يشير إلى أن خوف البشرية مركوز في جبلة الإنسان ولو كان نبيًا إلى أن ينزع الله الخوف منه انتزاعًا ربانيًا بقول صمداني كما قال تعالى: {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} [طه: 68] أي: أعلى درجة من أن تخاف من المخلوقات دون الخالق، وفيه معنى آخر: أن خوف موسى عليه السلام ما كان من المكونات، بل كان من المكون إذ رأى عصاه ثعبانًا تلقف سحر السحرة قد علم أنها صارت مظهر صفة قهاريته فخاف من الحق تعالى وقهره، لا من العصا وثعبانها، فلهذا قال تعالى: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى} [طه: 68] أي: لأنك أعلى درجة عندنا منها؛ لأنها عصاك مصنوعة لنفسك وأنت رسولي وكليمي {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] وإن كانت في مظهر صفة قهري فأنت مظهر صفات لطفي وقهري كلها.

{وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] به يشير إلى أن ما في يمينك هو مصنوعي وكيدي وما صنع السحرة إنما هو مصنوعهم وكيدهم. {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ} [طه: 69] ومصنوعهم وكيدهم {حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] مصنوعي وكيدي {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 45] فلمَّا أظهر الله عز وجل كيده في صورة الثعبان وابتلع مصنوعهم وأظهر برهانه {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 70] فكان الإيمان على البصيرة ببرهان الربوبية؛ آمنوا بالبرهان بالتقليد، وإن فرعون ما رأى برهان الربوبية فلم يؤمن بالتقليد فقد تحققوا أن المعجزة لم تكن سحرًا ولا الرسول ساحرًا {قَالَ} [طه: 71] للسحرة {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71] وإنما قال: {أَشَدُّ عَذَابًا} [طه: 71] لأنه كان بصيرًا بعذاب الدنيا وشدته، وكان أعمى بعذاب الآخرة وشدته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت