ثم أخبر عما كان حلالًا من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] ، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف:
صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة.
وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة.
وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف:
فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه، {َأُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179] ، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه وأسر في قوة روحه، {َأُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] ، فكان كل الطعام حلًا كما كان حلالًا للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ} [العنكبوت: 69] .
{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} [آل عمران: 94] ، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94] ، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] ، {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} [آل عمران: 95] ، فيما قال: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95] ، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان، وهذه ملة الخلة، {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95] ، من الذين يتخذون مع الله إلهًا أخرًا ويجعلون الشركة في الخلة.
ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمنًا لأهل الإفلاس بقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] ، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجًا منه في الإنسان، وإن نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركًا عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} [آل عمران: 97] ، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: {مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 97] ؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد في رحمتي خليله كان أمنًا من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه السلام مع النار، وكان عليه