{الر} [إبراهيم: 1] يشير بالألف إلى القسم بآلائه ونعمائه، وباللام إلى لطفه وكرمه، وبالراء إلى القرآن؛ يعني: أقسم آلائي ونعمائي أن صفة لطفي وكرمي اقتضت إنزال القرآن وهو {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ} بدلالة القرآن وتعليمه ونوره وخلقه وهداه {مِنَ الظُّلُمَاتِ} وهي ظلمات الخلقية {إِلَى النُّورِ} وهو نور تجلي صفة الربوبية، وذلك أن الله تعالى خلق عالم الأجساد وجعل زبدته جسم الإنسان حجابًا بالنور صفات روح الإنسان وهي ظلمات الخليقة الإنسانية، وجعل العالمين بظلماتها وأنوارها حجابًا لنور صفة الألوهية، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن لله سبعين ألف حجاب من نور الظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره"وما جعل الله لنوع من أنواع الموجودات استعداد الخروج من هذه الحجب إلا للإنسان، ولا يخرج منها أحد إلا بتخريجه إياه منها، واختص المؤمن بهذه الكرامة، كما قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] فجعل القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم من أسباب يخرج المؤمن بهما من حجب الظلمات إلى النور {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بحوله وقوته لا سبيل له إلى ذلك الآية، وإنما قال ربهم لأنه تعالى هو مربيهم، وما قال بإذن ربك ليعلم أن هذه التربية من الله لا من النبي.
ويشير بقوله: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إلى أن العبور على الظلمات الجسمانية والأنوار الروحانية هو الطريق لله، وهو العزيز الذي لا يصل العبد إليه إلا بالخروج عن هذه الحجب، وهو الحميد الذي يستحق من كمالية جماله وجلاله أن يحتجب بحجب العزة والكرامة والعظمة.
وبقوله: {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [إبراهيم: 2] يشير إلى أن سير السائرين إلى الله لا ينتهي بالسير في الصفات وهي العزيز الحميد، وإنما ينتهي السير في الذات وهو الله فالمكونات أفعاله، فمن بقي في أفعاله فلا يصل إلى صفاته، فمن بقي في صفاته لا يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته وصولًا بلا اتصال ولا انفصال بل وصولًا بالخروج عن أنانيته إلى هويته تعالى يبقى به في صفاته وأفعاله، ثم قال: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} هو شدة ألم الانقطاع عن الله والبعد عنه.
ثم وصفهم ليعلم أن الكافر الحقيقي من هو ولا يرضى العبد باسم الانقطاع ولا يقنع بالإيمان التقليدي فقال: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 3] بالجد والاجتهاد في طلب الدنيا وشهواتها وترك الآخرة بإهمال السعي في طلبها، واحتمال الكفلة والمشقة في مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع في تربية القلب والسير إلى الله {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ويصرفون وجوه الطالبين عن طلب الله، ويقطعون عليهم طريق الحق في صورة النصيحة، ويلزمون الطلاب على ترك الدنيا والعزلة والغربة والانقطاع عن الخلق للتوبة إلى الحق {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: ويطلبون الآخرة بالاعوجاج عن طريقهما {َأُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: طلوا عن طريق الحق وبعدوا عنه.