فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 1648

ثم أخبر عن صفات وأهل القربات بقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] إلى قوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} إشارة إلى المعياد في الحقيقة كان أربعين ليلة وإن كان في الظاهر ثلاثين ليلة لقوله تعالى: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} فالتمام هو: الأربعون، والثلاثون ناقص، ويدل على هذا قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] وإنما أظهر الوعد ثلاثين ليلة؛ لضعف البشرية قواعد ثلاثين ليلة ثم أتمها بالعشر، وفيه أن الأربعين خصوصية في استحقاق استماع الكلام للأنبياء، كما أن اختصاصًا في ظهور ينابيع الحكمة من قلوب الأولياء بقوله صلى الله عليه وسلم:"من أخلص لله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"والحكمة في تعيين عدد الأربعين: إن فيها كمال الكمال ذكرنا في البقرة.

وفي قوله تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] أيضًا دليل على أن ميعاد ربه في الحقيقة كان أربعين ليلة، وفي قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي} [الأعراف: 142] الإشارة فيها: إلى أن موسى عليه السلام الروح يقول لأخيه هارون القلب عند توجهه لميقات الحق ومقام المكالمة والتصدي لتجلي ربه: كن خليفتي {فِي قَوْمِي} من أوصاف البشرية ونعوت الإنسانية {وَأَصْلِحْ} [الأعراف: 142] ذات بينهم على فوق الشريعة وقانون الطريقة، {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] ؛ يعني: سبيل الهوى والطبيعة الحيوانية النفسانية؛ وهذا هو السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح؛ ليحصل منه خليفة من القلب الروحاني القابل للنور الرباني يكون خليفة، وخليفة رب العالمين بخلافته عند مجيء الروح لميقات ربه كما قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] ؛ يعني: ولمَّا حصل على بساط القرب تتابع عليه كاسات الشرب من صفو الصفات، ودارت أقداح المكالمات، واثر فيه لذا ذات أسماع الكلمات فطرب واضطراب، إذ سكر من شرب الواردات وتساكر من سماع الملاطفات في المخاطبات، فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه، وعند استيلاء سلاطين الشوق وغلبات دواعي المحبة في الذوق {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قال: ههيات أنت للإثنينية منكوب ويحجب جبل الأنانية محجوب، وإنك إذا نظرت بك إلي {قَالَ لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] ؛ لأنه لا يراني إلا من كنت له بصرًا فبي يبصر، {وَلَكِنِْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الأعراف: 143] جبل الأنانية، {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} [الأعراف: 143] عند التجلي {فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ببصر أنانيتك، {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] أنانيته {جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143] فانيًا كأن لم يكن، {وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143] بالأنانية، فكان ما كان بعد أن بان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت