ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء؛ أي: بقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23] ، يشير إلى الفلاسفة والدهرية والطائفية، من لم يسلك سبيل الإتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة بتأديب الطريقة على قانون الشريعة، ولم ينسلخ هواه بالكلية، ولم يؤدبه، ولم يسلكه إمام مقتدى في هذا الشأن من أرباب الوصال والوصول، بل اقتدى بأئمة الكفر والضلالة، وانتفى آثارهم بالشبهات العقلية وحسبان البراهين القطعية؛ فوقع في شبكة الشيطان، فأخذه بزمام هواه، وأضله في نبه هواه، وربما دعاه إلى الرياضة وترك الشهوات؛ لتصفية العقل وسلامة الفكر، فيمينه إدراك الحقائق حتى أوبقه في وهدات الشبهات فيهم في كل ضلالة، ويضل في كل فج عميق، وأصبح خسرانه أكثر من ربحه، ونقصانه أوفر من رجحانه، {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ} [الجاثية: 23] ؛ لئلا يسمع الحق، {وَقَلْبِهِ} [الجاثية: 23] ؛ لئلا يفهم الحق، {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] ، لئلا يرى الحق {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية: 23] ؛ أي: لا يقدر على هدايته إلا الله، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] ، أرباب العقول السليمة أنهم في ضلالة بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل المكر استدرجوا من حيث لا يشعرون.
{وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] ، يشير إلى أن من ختم الله على قلبه انحسم مادة نظره إلى عالم الآخرة، كالأنعام لا ترى إلا عالم الحس، فلا يؤمن بما في الغيب من البعث وتنكره، {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الجاثية: 24] ؛ أي: بإنكار البعث {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] الظنون الكاذبة.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [الجاثية: 25] لا يسمعون؛ لأن سمعهم مختوم عليه {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} [الجاثية: 25] عند عقولهم السخيفة في انتفاء السمع، {إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتُوا بِآبَآئِنَآ} [الجاثية: 25] ؛ أي: أحيوهم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 25] في الإحياء بعد الموت؛ فأجابهم الله تعالى بقوله: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الجاثية: 26] ؛ يعني: بالأحياء يوم القيامة لا في الدنيا، وفيه إشارة إلى أهل الإشارة {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ} بالحياة الإنسانية، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عن صفاتكم الإنسانية الحيوانية، {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ} بالحياة الربانية إلى يوم القيامة، وهي النشأة الأخرى {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [الجاثية: 26] عند أرباب النظر، {وَلَكِنَّْ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 26] ؛ لأنهم أهل النسيان والغفلة.
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ} [الجاثية: 27] ، سماوات القلوب يحي منها ما يشاء بنوره، ويميت ما شاء بظلمة النفوس، {وَالْأَرْضِ} [الجاثية: 27] أرض النفوس، يحيي منها ما شاء بنوره، ويميت منها ما شاء بالحرص والشهوة، ويميت منها ما شاء بنور الإيمان والإخلاص، {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاَعةُ} [الجاثية: 27] ، وهو يوم نشور القلوب عن قبور الصدور بقيام المحبة، {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27] ، الذين أبطلوا الاستعداد الفطري.