فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 1648

والدليل على هذا التأويل قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} [طه: 45] إلى قوله: {وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] قوله: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ} [طه: 45] يشير: أن الخوف مركوز في جبلة الإنسان حتى لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة، فإنه لا يخرج من جبلته كما قال: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} [طه: 45] يعني: بأن يقتلنا: ولكن الخوف ليس بجهة القتل، وإنما تخاف فوات عبوديتك بالقيام لأداء الرسالة والتبليغ، كما أمرتنا إذ بتمرده وبجهله ولا ينقاد لأوامرك أو يسبك، ويقول: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] .

وبقوله تعالى: {قَالَ لاَ تَخَافَآ} [طه: 46] يشير إلى أن الخوف إنما يزيل عن جبلة الإنسانية بخطابي إليه بأمر التكوين كما قال: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] فكانت بتكوين الله إياها بردًا وسلامًا {إِنَّنِي مَعَكُمَآ} [طه: 46] بالنظرة والحفظ في الأزل؛ إذ كنت أقدر نصركما، وهلاكه على أيديكما {أَسْمَعُ} [طه: 46] هذه مقالتكما قبل وجودكما {وَأَرَى} [طه: 46] أحوالكما وأحواله قبل أن أخلقكما بهذه الصفات.

{فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} [طه: 47] أعلم أن فائدة إتيانهما رسالتهما إلى فرعون وتبليغه كانت عائدة إلى موسى وهارون نفسهما لا إلى فرعون في علم الله عز وجل، فالحكمة في إرسالهما: أن يكونا رسولين من ربهما مبلغين منذرين؛ ليتحقق رسالتهما، وينكر فرعون ويكفر بهما؛ ليتحقق كفره، {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} [طه: 47] وهي اليد البيضاء بها يشير إلى يد صافية فارغة من الدنيا والآخرة {وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47] أي: سلم من استسلم، وابتع هدى الله وهي ما جاء به الأنبياء عليهم السلام.

{إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ} [طه: 48] ضد السلامة { مَن كَذَّبَ} [طه: 48] أي: كذب وكفر بما جاء به الأنبياء {وَتَوَلَّى} [طه: 48] أي: أعرض عن الله بمتابعة الهوى {قَالَ} [طه: 49] فرعون {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه: 49] واختص موسى بالذكر دون هارون مع أن الخطاب كان معهما؛ لأن صاحب الآيات كان موسى وكانت الرسالة له بالأصالة ولهارون بالوزارة بالتبعية.

{قَالَ رَبُّنَا ِالَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} [طه: 50] أعطى كل شيء استعداد لما خلق له {ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] أي: يسره لما خلق له والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"اعملوا كل ميسر لما خلق له"معناه: أن الله تعالى خلق المؤمن مستعدًا لقبول فيض الإيمان، ثم هداه إلى قبول دعوة الأنبياء ومتابعتهم، وخلق الكافر لقبول فيض القهر والخذلان والتمرد على الأنبياء مخالفتهم.

{قَالَ} [طه: 51] يعني: فرعون {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] يعنيك المتقدمين الذين لم يقبلوا دعوة الأنبياء فألفوهم {قَالَ} [طه: 52] أي موسى. {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} [طه: 52] يعني: علم كل واحد من القرون أنه تعالى لماذا خلقه مستعدًا لقبول الإيمان، ولقبول الكفر ثابت في أم الكتاب عنده {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} [طه: 52] عن الكتاب وعلمه {وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت