فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 1648

ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى ِالَّذِي أَحْسَنَ} [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين:

أحدهما: إنه تعالى لمَّا ذكر الخصال العشر وخصَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] ثم قال تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا} [الأنعام: 154] ، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تمامًا على الذي أحسن؛ يعني: إتمامًا لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] ، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى: {َأُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتمامًا للدين وتكميلًا له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصًا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سمَّاه الله تعالى محسنًا بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125] ، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تمامًا على محمدًا؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] ، {وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 154] أي: وبيانًا وشرحًا لدينه.

{وَهُدًى وَرَحْمَةً} على أمته، {لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] ؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنعام: 155] ، أي: أنزلناه أيضًا لإتمام نبوتك ودينك، {مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، {وَاتَّقُوا} [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، {أَن تَقُولُوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156] ، أي فاحترزوا {أَن تَقُولُوا} إذا لم تنتفعوا بالقرآن: {إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156] {أَوْ تَقُولُواْ} [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، {لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ} [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت